{ جَزَاء بِمَا كَسَبَا نكالا } [ المائدة: 38 ] مشروط بعدم التوبة ، فلم لا يجوز أيضًا أن يكون مشروطًا بعدم العفو . والرابع: أن الجزاء ما يجزي ويكفي وإذا كان كافيًا وجب أن لا يجوز العقاب في الآخرة وإلا قدح ذلك في كونه مجزيًا وكافيًا ، فثبت أن هذا ينافي العذاب في الآخرة ، وإذا ثبت فساد قولهم في ترجيح جانب الوعيد فنقول: الآيتان الدالتان على الوعد والوعيد موجودتان فلا بد من التوفيق بينهما ، فأما أن يقال: العبد يصل إليه الثواب ثم ينقل إلى دار العقاب وهو قول باطل بإجماع الأمة ، أو يقال: العبد يصل إليه العقاب ثم ينقل إلى دار الثواب ويبقى هناك أبد الآباد وهو المطلوب . أما الترجيح الثاني فهو ضعيف لأن قوله: { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ } لا يتناول الكفر وقوله: { وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ } [ النساء: 14 ] [ الأحزاب: 36 ] يتناول الكل فكان قولنا هو الخاص والله أعلم .
الحجة السادسة: أنا قد دللنا على أن تأثير شفاعة محمد A في إسقاط العقاب وذلك يدل على مذهبنا في هذه المسألة .
الحجة السابعة: قوله تعالى: { إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعًا } [ الزمر: 53 ] وهو نص في المسألة . فإن قيل: هذه الآية إن دلت فإنما تدل على القطع بالمغفرة لكل العصاة ، وأنتم لا تقولون بهذا المذهب ، فما تدل الآية عليه لا تقولون به وما تقولون به لا تدل الآية عليه؟ سلمنا ذلك ، لكن المراد بها أنه تعالى يغفر جميع الذنوب مع التوبة وحمل الآية على هذا المحمل أولى لوجهين: أحدهما: أنا إذا حملناها على هذا الوجه فقد حملناها على جميع الذنوب من غير تخصيص ، الثاني: أنه تعالى ذكر عقيب هذه الآية قوله تعالى: { وَأَنِيبُواْ إلى رَبّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العذاب } [ الزمر: 54 ] والإنابة هي التوبة . فدل على أن التوبة شرط فيه ، والجواب عن الأول . أن قوله: { يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعًا } وعد منه بأنه تعالى سيسقطها في المستقبل ، ونحن نقطع بأنه سيفعل في المستقبل ذلك ، فإنا نقطع بأنه تعالى سيخرج المؤمنين من النار لا محالة ، فيكون هذا قطعًا بالغفران لا محالة ، وبهذا ثبت أنه لا حاجة في إجراء الآية على ظاهرها على قيد التوبة ، فهذا تمام الكلام في هذه المسألة وبالله التوفيق . ولنرجع إلى تفسير الآية فنقول: إن المعتزلة فسروا كون الخطيئة محبطة بكونها كبيرة محبطة لثواب فاعلها ، والاعتراض عليه من وجوه ، الأول: أنه كما أن من شرط كون السيئة محيطة بالإنسان كونها كبيرة فكذلك شرط هذه الإحاطة عدم العفو ، لأنه لو تحقق العفو لما تحققت إحاطة السيئة بالإنسان ، فإذن لا يثبت كون السيئة محيطة بالإنسان إلا إذا ثبت عدم العفو ، وهذا أول المسألة ويتوقف الاستدلال بهذه الآية على ثبوت المطلوب وهو باطل . الثاني: أنا لا نفسر إحاطة الخطيئة بكونها كبيرة ، بل نفسرها بأن يكون ظاهره وباطنه موصوفًا بالمعصية ، وذلك إنما يتحقق في حق الكافر الذي يكون عاصيًا لله بقلبه ولسانه وجوارحه ، فأما المسلم الذي يكون مطيعًا لله بقلبه ولسانه ويكون عاصيًا لله تعالى ببعض أعضائه دون البعض فههنا لا تتحقق إحاطة الخطيئة بالعبد ، ولا شك أن تفسير الإحاطة بما ذكرناه أولى ، لأن الجسم إذا مس بعض أجزاء جسم آخر دون بعض لا يقال: إنه محيط به ، وعند هذا يظهر أنه لا تتحقق إحاطة الخطيئة بالعبد إلا إذا كان كافرًا . إذا ثبت هذا فنقول قوله: { فأولئك أصحاب النار } يقتضي أن أصحاب النار ليسوا إلا هم وذلك يقتضي أن لا يكون صاحب الكبيرة من أهل النار ، الثالث: أن قوله تعالى: { فأولئك أصحاب النار } يقتضي كونهم في النار في الحال وذلك باطل ، فوجب حمله على أنهم يستحقون النار . ونحن نقول بموجبه: لكن لا نزاع في أنه تعالى هل يعفو عن هذا الحق وهذا أول المسألة ، ولنختم الكلام في هذه الآية بقاعدة فقهية: وهي أن الشرط ههنا أمران ، أحدهما: اكتساب السيئة ، والثاني: إحاطة تلك السيئة بالعبد والجزاء المعلق على وجود الشرطين لا يوجد عند حصول أحدهما . وهذا يدل على أن من عقد اليمين على شرطين في طلاق أو إعتاق أنه لا يحنث بوجود أحدهما والله أعلم .