فهرس الكتاب

الصفحة 699 من 8321

التكليف الثاني: قوله تعالى: { وبالوالدين إحسانا } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: يقال: بم يتصل الباء في قوله تعالى: { وبالوالدين إحسانا } وعلام انتصب؟ قلنا فيه ثلاثة أقوال: الأول: قال الزجاج: انتصب على معنى أحسنوا بالوالدين إحسانًا . والثاني: قيل على معنى وصيناهم بالوالدين إحسانًا لأن اتصال الباء به أحسن على هذا الوجه ولو كان على الأول لكان . وإلى الوالدين كأنه قيل: وأحسنوا إلى الوالدين . الثالث: قيل: بل هو على الخبر المعطوف على المعنى الأول يعني أن تعبدوا وتحسنوا .

المسألة الثانية: إنما أردف عبادة الله بالإحسان إلى الوالدين لوجوه . أحدها: أن نعمة الله تعالى على العبد أعظم ، فلا بد من تقديم شكره على شكر غيره ثم بعد نعمة الله فنعمة الوالدين أعم النعم ، وذلك لأن الوالدين هما الأصل والسبب في كون الولد ووجوده كما أنهما منعمان عليه بالتربية ، وأما غير الوالدين فلا يصدر عنه الإنعام بأصل الوجود ، بل بالتربية فقط ، فثبت أن إنعامهما أعظم وجوه الإنعام بعد إنعام الله تعالى . وثانيها: أن الله سبحانه هو المؤثر في وجود الإنسان في الحقيقة والوالدان هما المؤثران في وجوده بحسب العرف الظاهر ، فلما ذكر المؤثر الحقيقي أردفه بالمؤثر بحسب العرف الظاهر . وثالثها: أن الله تعالى لا يطلب بإنعامه على العبد عوضًا ألبتة بل المقصود إنما هو محض الإنعام والوالدان كذلك ، فإنهما لا يطلبان على الإنعام على الولد عوضًا ماليًا ولا ثوابًا ، فإن من ينكر الميعاد يحسن إلى ولده ويربيه ، فمن هذا الوجه أشبه إنعامهما إنعام الله تعالى . الرابع: أن الله تعالى لا يمل من الإنعام على العبد ولو أتى العبد بأعظم الجرائم ، فإنه لا يقطع عنه مواد نعمه وروادف كرمه ، وكذا الوالدان لا يملان الولد ولا يقطعان عنه مواد منحهما وكرمهما ، وإن كان الولد مسيئًا إلى الوالدين . الخامس: كما أن الوالد المشفق يتصرف في مال ولده بالاسترباح وطلب الزيادة ويصونه عن البخس والنقصان ، فكذا الحق سبحانه وتعالى متصرف في طاعة العبد فيصونها عن الضياع ثم إنه سبحانه يجعل أعماله التي لا تبقى كالشيء الباقي أبد الآباد كما قال: { مَّثَلُ الذين يُنفِقُونَ أموالهم فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلّ سُنبُلَةٍ مّاْئَةُ حَبَّةٍ } [ البقرة: 261 ] . السادس: أن نعمة الله وإن كانت أعظم من نعمة الوالدين ولكن نعمة الله معلومة بالاستدلال ونعمة الوالدين معلومة بالضرورة ، إلا أنها قليلة بالنسبة إلى نعم الله فاعتدلا من هذه الجهة والرجحان لنعم الله فلا جرم جعلنا نعم الوالدين كالتالية لنعم الله تعالى .

المسألة الثالثة: اتفق أكثر العلماء على أنه يجب تعظيم الوالدين وإن كانا كافرين ، ويدل عليه وجوه . أحدها: أن قوله في هذه الآية: { وبالوالدين إحسانا } غير مقيد بكونهما مؤمنين أم لا ، ولأنه ثبت في أصول الفقه أن الحكم المرتب على الوصف مشعر بعلية الوصف ، فدلت هذه الآية على أن الأمر بتعظيم الوالدين لمحض كونهما والدين وذلك يقتضي العموم ، وهكذا الاستدلال بقوله تعالى: { وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إياه وبالوالدين إحسانا } . وثانيها: قوله تعالى: { فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا } الآية ، وهذا نهاية المبالغة في المنع من إياذئهما ، ثم إنه تعالى قال في آخر الآية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت