المسألة الثالثة: قال تعالى ههنا { إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا } وقال في الطور: { وَفِى عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الريح العقيم } [ الذاريات: 41 ] فعرف الريح هناك ونكرها هنا لأن العقم في الريح أظهر من البرد الذي يضر النبات أو الشدة التي تعصف الأشجار لأن الريح العقيم هي التي لا تنشىء سحابًا ولا تلقح شجرًا وهي كثيرة الوقوع ، وأما الريح المهلكة الباردة فقلما توجد ، فقال: الريح العقيم أي هذا الجنس المعروف ، ثم زاده بيانًا بقوله: { مَا تَذَرُ مِن شَىْء أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كالرميم } [ الذاريات: 42 ] فتميزت عن الرياح العقم ، وأما الصرصر فقليلة الوقوع فلا تكون مشهورة فنكرها .
المسألة الرابعة: قال هنا { فِى يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرّ } وقال في السجدة: { فِى أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ } [ فصلت: 16 ] وقال في الحاقة: { سَبْعَ لَيَالٍ وثمانية أَيَّامٍ حُسُومًا } [ الحاقة: 7 ] والمراد من اليوم هنا الوقت والزمان كما في قوله تعالى: { يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا } [ مريم: 33 ] وقوله: { مُّسْتَمِرٌّ } يفيد ما يفيده الأيام لأن الاستمرار ينبىء عن إمرار الزمان كما ينبىء عنه الأيام ، وإنما اختلف اللفظ مع اتحاد المعنى ، لأن الحكاية هنا مذكورة على سبيل الاختصار ، فذكر الزمان ولم يذكر مقداره ولذلك لم يصفها ، ثم إن فيه قراءتين إحداهما: { يَوْمِ نَحْسٍ } بإضافة يوم ، وتسكين نحس على وزن نفس ، وثانيتهما: { يَوْمِ نَحْسٍ } بتنوين الميم وكسر الحاء على وصف اليوم بالنحس ، كما في قوله تعالى: { فِى أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ } فإن قيل أيتهما أقرب؟ قلنا: الإضافة أصح ، وذلك لأن من يقرأ: { يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرّ } يجعل المستمر صفة ليوم ، ومن يقرأ يوم نحس مستمر يكون المستمر وصفًا لنحس ، فيحصل منه استمرار النحوسة فالأول أظهر وأليق ، فإن قيل: من يقرأ يوم نحس بسكون الحاء ، فماذا يقول في النحس؟ نقول: يحتمل أن يقول هو تخفيف نحس كفخذ وفخذ في غير الصفات ، ونصر ونصر ورعد ورعد ، وعلى هذا يلزمه أن يقول تقديره: يوم كائن نحس ، كما تقول في قوله تعالى: