فهرس الكتاب

الصفحة 7006 من 8321

{ وَكَلْبُهُمْ باسط ذِرَاعَيْهِ } [ الكهف: 18 ] على أنه يحكي القصة في حال وقوعها تقول: خرجت أمس فإذا زيد ضارب عمرًا كما تقول: يضرب عمرًا ، وإن كان الضرب قد مضى ، وإذا كان بمعنى المستقبل فالأحسن الإعمال تقول: إني ضارب عمرًا غدًا ، فإن قلت إني ضارب عمرو غدًا حيث كان الأمر وقع وكان جاز لكنه غير الأحسن ، والتحقيق فيه أن قولنا: ضارب وسارق وقاتل أسماء في الحقيقة غير أن لها دلالة على الفعل فإذا كان الفعل تحقق في الماضي فهو قد عدم حقيقة فلا وجود للفعل في الحقيقة ولا في التوقع فيجب الحمل على ما للاسم من الإضافة وترك ما للفعل من الأعمال لغلبة الإسمية وفقدان الفعل بالماضي ، وإذا كان الفعل حاضرًا أو متوقعًا في الاستقبال فله وجود حقيقة أو في التوقع فتجوز الإضافة لصورة الاسم ، والإعمال لتوقع الفعل أو لوجوده ولكن الإعمال أولى لأن في الاستقبال لن يضرب يفيد لا يكون ضاربًا فلا ينبغي أن يضاف ، أما الإعمال فهو ينبىء عن توقع الفعل أو وجوده ، لأنه إذا قال: زيد ضارب عمرًا فالسامع إذا سمع بضرب عمرو علم أنه يفعل فإذا لم يره في الحال يتوقعه في الاستقبال غير أن الإضافة تفيد تخفيفًا حيث سقط بها التنوين والنون فتختار لفظًا لا معنى ، إذا عرفت هذا فنقول: { مُرْسِلُواْ الناقة } مع ما فيه من التخفيف فيه تحقيق الأمر وتقديره كأنه وقع وكان بخلاف ما لو قيل: إنا نرسل الناقة .

المسألة الثانية: { فِتْنَةً } مفعول له فتكون الفتنة هي المقصودة من الإرسال لكن المقصود منه تصديق النبي A ، وهو صالح عليه السلام لأنه معجزة فما التحقيق في تفسيره؟ نقول: فيه وجهان أحدهما: أن المعجزة فتنة لأن بها يتميز حال من يثاب ممن يعذب ، لأن الله تعالى بالمعجزة لا يعذب الكفار إلا إذا كان ينبئهم بصدقه من حيث نبوته فالمعجزة ابتلاء لأنها تصديق وبعد التصديق يتميز المصدق عن المكذب وثانيهما: وهو أدق أن إخراج الناقة من الصخرة كان معجزة وإرسالها إليهم ودورانها فيما بينهم وقسمة الماء كان فتنة ولهذا قال: { إِنَّا مُرْسِلُواْ الناقة فِتْنَةً } ولم يقل: إنا مخرجوا الناقة فتنة ، والتحقيق في الفتنة والابتلاء والامتحان قد تقدم مرارًا وإليه إشارة خفية وهي أن الله تعالى يهدي من يشاء وللهداية طرق ، منها ما يكون على وجه يكون للإنسان مدخل فيه بالكسب ، مثاله يخلق شيئًا دالًا ويقع تفكر الإنسان فيه ونظره إليه على وجه يترجح عنده الحق فيتبعه وتارة يلجئه إليه ابتداء ويصونه عن الخطأ من صغره فإظهار المعجز على يد الرسول أمر يهدي به من يشاء اهتداء مع الكسب وهداية الأنبياء من غير كسب منهم بل يخلق فيهم علومًا غير كسبية فقوله: { إِنَّا مُرْسِلُواْ الناقة فِتْنَةً } إشارة إليهم ، ولهذا قال لهم: ومعناه على وجه يصلح لأن يكون فتنة وعلى هذا كل من كانت معجزته أظهر يكون ثواب قومه أقل ، وقوله تعالى: { فارتقبهم } أي فارتقبهم بالعذاب ، ولم يقل: فارتقب العذاب إشارة إلى حسن الأدب والاجتناب عن طلب الشر وقوله تعالى: { واصطبر } يؤيد ذلك بمعنى إن كانوا يؤذونك فلا تستعجل لهم العذاب ، ويحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى قرب الوقت إلى أمرهما والأمر بحيث يعجز عن الصبر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت