وقال A: « فنكاحها باطل باطل باطل » والإذكار تكرر ثلاث مرات فبثلاث مرار حصل التأكيد وقد بينا أنه تعالى ذكر: { فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى } في حكاية نوح للتعظيم وفي حكاية ثمود للبيان وفي حكاية عاد أعادها مرتين للتعظيم والبيان جميعًا واعلم أنه تعالى ذكر: { فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى } في ثلاث حكايات أربع مرات فالمرة الواحدة للإنذار ، والمرات الثلاث للإذكار ، لأن المقصود حصل بالمرة الواحدة ، وقوله تعالى: { فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } [ الرحمن: 13 ] ذكره مرة للبيان وأعادها ثلاثين مرة غير المرة الأولى كما أعاد: { فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ } ثلاث مرات غير المرة الأولى فكان ذكر الآلاء عشرة أمثال ذكر العذاب إشارة إلى الرحمة التي قال في بيانها { مَن جَاء بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بالسيئة فَلاَ يَجْزِى إِلاَّ مِثْلَهَا } [ الأنعام: 160 ] وسنبين ذلك في سورة: الرحمن .
المسألة الرابعة: { إِلا ءالَ لُوطٍ } استثناء مماذا؟ إن كان من الذين قال فيهم: { إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حاصبا } فالضمير في عليهم عائد إلى قوم لوط وهم الذين قال فيهم: { كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ } ثم قال: { إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ } لكن لم يستثن عند قوله: { كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ } وآله من قومه فيكون آله قد كذبوا ولم يكن كذلك؟ الجواب عنه من وجهين أحدهما: أن الاستثناء ممن عاد إليهم الضمير في عليهم وهم القوم بأسرهم غير أن قوله: { كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ } لا يوجب كون آله مكذبين ، لأن قول القائل: عصى أهل بلدة كذا يصح وإن كان فيها شرذمة قليلة يطيعون فكيف إذا كان فيهم واحد أو اثنان من المطيعين لا غير ، فإن قيل: ماله حاجة إلى الاستثناء لأن قوله: { إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ } يصح وإن نجا منهم طائفة يسيرة نقول: الفائدة لما كانت لا تحصل إلا ببيان إهلاك من كذب وإنجاء من آمن فكان ذكر الإنجاء مقصودًا ، وحيث يكون القليل من الجمع الكثير مقصودًا لا يجوز التعميم والإطلاق من غير بيان حال ذلك المقصود بالاستثناء أو بكلام منفصل مثاله: { فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ } [ الحجر: 30 ، 31 ] استثنى الواحد لأنه كان مقصودًا ، وقال تعالى: { وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَىْء } [ النمل: 23 ] ولم يستثن إذ المقصود بيان أنها أوتيت ، لا بيان أنها ما أوتيت ، وفي حكاية إبليس كلاهما مراد ليعلم أن من تكبر على آدم عوقب ومن تواضع أثيب كذلك القول ههنا ، وأما عند التكذيب فكأن المقصود ذكر المكذبين فلم يستثن الجواب الثاني: أن الاستثناء من كلام مدلول عليه ، كأنه قال: إنا أرسلنا عليهم حاصبًا فما أنجينا من الحاصب إلا آل لوط ، وجاز أن يكون الإرسال عليهم والإهلاك يكون عامًا كما في قوله تعالى: { واتقوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الذين ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً } [ الأنفال: 25 ] فكان الحاصب أهلك من كان الإرسال عليه مقصودًا ومن لم يكن كذلك كأطفالهم ودوابهم ومساكنهم فما نجا منهم أحد إلا آل لوط .