فهرس الكتاب

الصفحة 7036 من 8321

{ الله خالق كُلّ شَىْء } [ الزمر: 62 ] وأما على القراءة الثانية وهي الرفع ، فنقول: جاز أن يكون كل شيء مبتدأ وخلقناه بقدر خبره وحينئذ تكون الحجة قائمة عليهم بأبلغ وجه ، وقوله: { كُلّ شَىْء } نكرة فلا يصلح مبتدأ ضعيف لأن قوله: { كُلّ شَىْء } عم الأشياء كلها بأسرها ، فليس فيه المحذور الذي في قولنا: رجل قائم ، لأنه لا يفيد فائدة ظاهرة ، وقوله: { كُلّ شَىْء } يفيد ما يفيد زيد خلقناه وعمرو خلقناه مع زيادة فائدة ، ولهذا جوزوا ما أحد خير منك لأنه أفاد العموم ولم يحسن قول القائل أحد خير منك حيث لم يفد العموم .

المسألة الثالثة: ما معنى القدر؟ قلنا: فيه وجوه أحدها: المقدار كما قال تعالى: { وَكُلُّ شَىْء عِندَهُ بِمِقْدَارٍ } [ الرعد: 8 ] وعلى هذا فكل شيء مقدر في ذاته وفي صفاته ، أما المقدر في الذات فالجسم وذلك ظاهر فيه وكذلك القائم بالجسم من المحسوسات كالبياض والسواد ، وأما الجوهر الفرد مالا مقدار له والقائم بالجوهر مالا مقدار له بمعنى الامتداد كالعلم والجهل وغيرهما ، فنقول: ههنا مقادير لا بمعنى الامتداد ، أما الجواهر الفرد فإن الإثنين منه أصغر من الثلاثة ، ولولا أن حجمًا يزداد به الامتداد ، وإلا لما حصل دون الامتداد فيه ، وأما القائم بالجوهر فله نهاية وبداية ، فمقدار العلوم الحادثة والقدر المخلوقة متناهية ، وأما الصفة فلأن لكل شيء ابتدىء زمانًا فله مقدار في البقاء لكون كل شيء حادثًا ، فإن قيل: الله تعالى وصف به ، ولا مقدار له ولا ابتداء لوجوده ، نقول: المتكلم إذا كان موصوفًا بصفة أو مسمى باسم ، ثم ذكر الأشياء المسماة بذلك الاسم أو الأشياء الموصوفة بتلك الصفة ، وأسند فعلًا من أفعاله إليه يخرج هو عنه ، كما يقول القائل: رأيت جميع من في هذا البيت فرأيتهم كلهم أكرمني ، ويقول ما في البيت أحد إلا وضربني أو ضربته يخرج هو عنه لا لعدم كونه مقتضى الاسم ، بل بما في التركيب من الدليل على خروجه عن الإرادة ، فكذلك قوله: { خلقناه } و { خالق كُلّ شَىْء } [ الزمر: 62 ] يخرج عنه لا بطريق التخصيص ، بل بطريق الحقيقة إذا قلنا: إن التركيب وضعي ، فإن هذا التركيب لم يوضع حينئذ إلا لغير المتكلم ثانيها: القدر التقدير ، قال الله تعالى: { فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ القادرون } [ المرسلات: 23 ] وقال الشاعر:

وقد قدر الرحمن ما هو قادر ... أي قدر ما هو مقدر ، وعلى هذا فالمعنى أن الله تعالى لم يخلق شيئًا من غير تقدير ، كما يرمي الرامي السهم فيقع في موضع لم يكن قد قدره ، بل خلق الله كما قدر بخلاف قول الفلاسفة إنه فاعل لذاته والاختلاف للقوابل ، فالذي جاء قصيرًا أو صغيرًا فلاستعداد مادته ، والذي جاء طويلًا أو كبيرًا فلاستعداد آخر ، فقال تعالى: { كُلَّ شَىْء خلقناه بِقَدَرٍ } منا فالصغير جاز أن يكون كبيرًا ، والكبير جاز خلقه صغيرًا ثالثها: { بِقَدَرٍ } هو ما يقال مع القضاء ، يقال بقضاء الله وقدره ، وقالت الفلاسفة في القدر الذي مع القضاء: إن ما يقصد إليه فقضاء وما يلزمه فقدر ، فيقولون: خلق النار حارة بقضاء وهو مقضي به لأنها ينبغي أن تكون كذلك ، لكن من لوازمها أنها إذا تعلقت بقطن عجوز أو وقعت في قصب صعلوك تخرقه ، فهو بقدر لا بقضاء ، وهو كلام فاسد ، بل القضاء ما في العلم والقدر ما في الإرادة فقوله: { كُلَّ شَىْء خلقناه بِقَدَرٍ } أي بقدره مع إرادته ، لا على ما يقولون إنه موجب ردًا على المشركين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت