فهرس الكتاب

الصفحة 7047 من 8321

{ لاَّ يَسْتَوِى القاعدون مِنَ المؤمنين غَيْرُ أُوْلِى الضرر } [ النساء: 95 ] والمراد الذي لا يكون بعده اتباع وقال تعالى: { مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } [ آل عمران: 121 ] مع أنه تعالى قال: { إِنَّ الله يُحِبُّ الذين يقاتلون فِى سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بنيان مَّرْصُوصٌ } [ الصف: 4 ] فأشار إلى الثبات العظيم . وقال تعالى: { إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثبتوا } [ الأنفال: 45 ] فالمقاعد إذن هي المواضع التي يكون فيها المقاتل بثبات ومكث وإطلاق مقعدة على العضو الذي عليه القعود أيضًا يدل عليه ، إذا عرفت هذا الفرق بين الجلوس والقعود حصل لك فوائد منها ههنا فإنه يدل على دوام المكث وطول اللبث ، ومنها في قوله تعالى: { عَنِ اليمين وَعَنِ الشمال قَعِيدٌ } [ ق: 17 ] فإن القعيد بمعنى الجليس والنديم ، ثم إذا عرف هذا وقيل للمفسرين الظاهرين فما الفائدة في اختيار لفظ القعيد يدل لفظ الجليس مع أن الجليس أشهر؟ يكون جوابهم أن آخر الآيات من قوله: { حَبْلِ الوريد } [ ق: 16 ] { والدى عَتِيدٌ } [ ق: 23 ] وقوله: { بِجَبَّارٍ عَنِيدٍ } [ هود: 59 ] يناسب القعيد ، ولا الجليس وإعجاز القرآن ليس في السجع ، وإذا نظرت إلى ما ذكر تبين لك فائدة جليلة معنوية حكمية في وضع اللفظ المناسب لأن القعيد دل على أنهما لا يفارقانه ويداومان الجلوس معه ، وهذا هو المعجز وذلك لأن الشاعر يختار اللفظ الفاسد لضرورة الشعر والسجع ويجعل المعنى تبعًا للفظ ، والله تعالى بين الحكمة على ما ينبغي وجاء باللفظ على أحسن ما ينبغي ، وفائدة أخرى في قوله تعالى: { ياأيها الذين ءامَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِى المجالس فافسحوا يَفْسَحِ الله لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشزوا فَانشُزُواْ } [ المجادلة: 11 ] فإن قوله: { فافسحوا } إشارة إلى الحركة ، وقوله: { فَانشُزُواْ } إشارة إلى ترك الجلوس فذكر المجلس إشارة إلى أن ذلك موضع جلوس فلا يجب ملازمته وليس بمقعد حتى لا يفارقونه .

المسألة الثالثة: { فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ } وجهان أحدهما: مقعد صدق ، أي صالح يقال: رجل صدق للصالح ورجل سوء للفاسد ، وقد ذكرناه في سورة: { إِنَّا فَتَحْنَا } في قوله تعالى: { وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السوء } [ الفتح: 12 ] ، وثانيهما: الصدق المراد منه ضد الكذب ، وعلى هذا ففيه وجهان الأول: مقعد صدق من أخبر عنه وهو الله ورسوله الثاني: مقعد ناله من صدق فقال: بأن الله واحد وأن محمدًا رسوله ، وحتمل أن يقال المراد أنه مقعد لا يوجد فيه كذب لأن الله تعالى صادق ويستحيل عليه الكذب ومن وصل إليه امتنع عليه الكذب لأن مظنة الكذب الجهل والواصل إليه ، يعلم الأشياء كما هي ويستغني بفضل الله عن أن يكذب ليستفيد بكذبه شيئًا فهو مقعد صدق وكلمة { عِندَ } قد عرفت معناها والمراد منه قرب المنزلة والشأن لا قرب المعنى والمكان ، وقوله تعالى: { مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ } لأن القربة من الملوك لذيذة كلما كان الملك أشد اقتدارًا كان المتقرب منه أشد التذاذًا وفيه إشارة إلى مخالفة معنى القرب منه من معنى القرب من الملوك ، فإن الملوك يقربون من يكون ممن يحبونه وممن يرهبونه ، مخافة أن يعصوا عليه وينحازوا إلى عدوه فيغلبونه ، والله تعالى قال: { مُّقْتَدِرٍ } لا يقرب أحدًا إلا بفضله .

والحمد لله وصلاته على سيدنا محمد خير خلقه وآله وصحبه وسلامه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت