فهرس الكتاب

الصفحة 7125 من 8321

إذا علم هذا فنقول لما قال: { فأصحاب الميمنة } كان كأنه يريد أن يأتي بالخبر فسكت عنه ثم قال في نفسه: إن السكوت قد يوهم أنه لظهور حال الخبر كما يسكت على زيد في جواب من جاء فقال: { مَا أصحاب الميمنة } ممتحنًا زاعمًا أنه لا يفهم ليكون ذلك دليلًا على أن سكوته على المبتدأ لم يكن لظهور الأمر بل لخفائه وغرابته ، وهذا وجه بليغ ، وفيه وجه ظاهر وهو أن يقال: معناه أنه جملة واحدة استفهامية كأنه قال: وأصحاب الميمنة ما هم؟ على سبيل الاستفهام غير أنه أقام المظهر مقام المضمر وقال: { فأصحاب الميمنة مَا أصحاب الميمنة } والإتيان بالمظهر إشارة إلى تعظيم أمرهم حيث ذكرهم ظاهرًا مرتين وكذلك القول في قوله تعالى: { وأصحاب المشئمة مَا أصحاب المشئمة } وكذلك في قوله: { الحاقة * مَا الحاقة } [ الحاقة: 1 ، 2 ] وفي قوله: { القارعة * مَا القارعة } [ القارعة: 1 ، 2 ] .

المسألة السابعة: ما الحكمة في اختيار لفظ { المشئمة } في مقابلة { الميمنة } ، مع أنه قال في بيان أحوالهم: { وأصحاب الشمال مَا أصحاب الشمال } ؟ نقول: اليمين وضع للجانب المعروف أولًا ثم تفاءلوا به واستعملوا منه ألفاظًا في مواضع وقالوا: هذا ميمون وقالوا: أيمن به ووضعوا للجانب المقابل له اليسار من الشيء اليسير إشارة إلى ضعفه ، فصار في مقابلة اليمين كيفما يدور فيقال: في مقابلة اليمنى اليسرى ، وفي مقابلة الأيمن الأيسر ، وفي مقابلة الميمنة الميسرة ، ولا تستعمل الشمال كما تستعمل اليمين ، فلا يقال: الأشمل ولا المشملة ، وتستعمل المشأمة كما تستعمل الميمنة ، فلا يقال: في مقابلة اليمين لفظ من باب الشؤم ، وأما الشآم فليس في مقابلة اليمين بل في مقابلة يمان ، إذا علم هذا فنقول: بعد ما قالوا باليمين لم يتركوه واقتصروا على استعمال لفظ اليمين في الجانب المعروف من الآدمي ، ولفظ الشمال في مقابلته وحدث لهم لفظان آخران فيه أحدهما: الشمال وذلك لأنهم نظروا إلى الكواكب من السماء وجعلوا ممرها وجه الإنسان وجعلوا السماء جانبين وجعلوا أحدهما أقوى كما رأوا في الإنسان ، فسموا الأقوى بالجنوب لقوة الجانب كما يقال: غضوب ورءوف ، ثم رأوا في مقابلة الجنوب جانبًا آخر شمل ذلك الجانب عمارة العالم فسموه شمالًا واللفظ الآخر: المشأمة والأشأم في مقابلة الميمنة والأيمن ، وذلك لأنهم لما أخذوا من اليمين اليمن وغيره للتفاؤل وضعوا الشؤم في مقابلته لا في أعضائهم وجوانبهم تكرهًا لجعل جانب من جوانب نفسه شؤمًا ، ولما وضعوا ذلك واستمر الأمر عليه نقلوا اليمين من الجانب إلى غيره ، فالله تعالى ذكر الكفار بلفظين مختلفين فقال: { وأصحاب المشئمة }

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت