المسألة الثالثة: ما معنى المخضود؟ نقول فيه وجهان أحدهما: مأخوذ الشوك ، فإن شوك السدر يستقصف ورقها ، ولولاه لكان منتزه العرب ، ذلك لأنها تظل لكثرة أوراقها ودخول بعضها في بعض وثانيهما: مخضود أي متعطف إلى أسفل ، فإن رؤوس أغصان السدر في الدنيا تميل إلى فوق بخلاف أشجار الثمار ، فإن رؤوسها تتدلى ، وحينئذ معناه أنه يخالف سدر الدنيا ، فإن لها ثمرًا كثيرًا .
المسألة الرابعة: ما الطلح؟ نقول: الظاهر أنه شجر الموز ، وبه يتم ما ذكرنا من الفائدة روي أن عليًا عليه السلام سمع من يقرأ: { وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ } فقال: ما شأن الطلح؟ إنما هو ( وطلع ) ، واستدل بقوله تعالى: { لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ } [ ق: 10 ] فقالوا: في المصاحف كذلك ، فقال: لا تحول المصاحف ، فنقول: هذا دليل معجزة القرآن ، وغزارة علم علي Bه . أما المعجزة فلأن عليًا كان من فصحاء العرب ولما سمع هذا حمله على الطلع واستمر عليه ، وما كان قد اتفق حرفه لمبادرة ذهنه إلى معنى ، ثم قال في نفسه: إن هذا الكلام في غاية الحسن ، لأنه تعالى ذكر الشجر المقصود منه الورق للاستظلال به ، والشجر المقصود منه الثمر للاستغلال به ، فذكر النوعين ، ثم إنه لما اطلع على حقيقة اللفظ علم أن الطلح في هذا الموضع أولى ، وهو أفصح من الكلام الذي ظنه في غاية الفصاحة فقال: المصحف بين لي أنه خير مما كان في ظني فالمصحف لا يحول . والذي يؤيد هذا أنه لو كان طلع لكان قوله تعالى: { وفاكهة كَثِيرَةٍ } [ الواقعة: 32 ] تكرار أحرف من غير فائدة ، وأما على الطلح فتظهر فائدة قوله تعالى: { وفاكهة } وسنبينها إن شاء الله تعالى .
المسألة الخامسة: ما المنضود؟ فنقول: إما الورق وإما الثمر ، والظاهر أن المراد الورق ، لأن شجر الموز من أوله إلى أعلاه يكون ورقًا بعد ورق ، وهو ينبت كشجر الحنطة ورقًا بعد ورق وساقه يغلظ وترتفع أوراقه ، ويبقى بعضها دون بعض ، كما في القصب ، فموز الدنيا إذا ثبت كان بين القصب وبين بعضها فرجة ، وليس عليها ورق ، وموز الآخرة يكون ورقه متصلًا بعضه ببعض فهو أكثر أوراقًا ، وقيل: المنضود المثمر ، فإن قيل: إذا كان الطلح شجرًا فهو لا يكون منضودًا وإنما يكون له ثمر منضود ، فكيف وصف به الطلح؟ نقول: هو من باب حسن الوجه وصف بسبب اتصاف ما يتصل به ، يقال: زيد حسن الوجه ، وقد يترك الوجه ويقال: زيد حسن والمراد حسن الوجه ولا يترك إن أوهم فيصح أن يقال: زيد مضروب الغلام ، ولا يجوز ترك الغلام لأنه يوهم الخطأ ، وأما حسن الوجه فيجوز ترك الوجه .