فهرس الكتاب

الصفحة 7278 من 8321

المسألة الثالثة: روي عن علي عليه السلام أنه قال: إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي ، ولا يعمل بها أحد بعدي ، كان لي دينار فاشتريت به عشرة دراهم ، فكلما ناجيت رسول الله A قدمت بين يدي نجواي درهمًا ، ثم نسخت فلم يعمل بها أحد ، وروي عن ابن جريج والكلبي وعطاء عن ابن عباس: أنهم نهوا عن المناجاة حتى يتصدقوا فلم يناجه أحد إلا علي عليه السلام تصدق بدينار ، ثم نزلت الرخصة . قال القاضي والأكثر في الروايات: أنه عليه السلام تفرد بالتصدق قبل مناجاته ، ثم ورد النسخ ، وإن كان قد روي أيضًا أن أفاضل الصحابة وجدوا الوقت وما فعلوا ذلك ، وإن ثبت أنه اختص بذلك فلأن الوقت لم يتسع لهذا الغرض ، وإلا فلا شبهة أن أكابر الصحابة لا يقعدون عن مثله ، وأقول على تقدير أن أفاضل الصحابة وجدوا الوقت وما فعلوا ذلك ، فهذا لا يجر إليهم طعنًا ، وذلك الإقدام على هذا العمل مما يضيق قلب الفقير ، فإنه لا يقدر على مثله فيضيق قلبه ، ويوحش قلب الغني فإنه لما لم يفعل الغني ذلك وفعله غيره صار ذلك الفعل سببًا للطعن فيمن لم يفعل ، فهذا الفعل لما كان سببًا لحزن الفقراء ووحشة الأغنياء ، لم يكن في تركه كبير مضرة ، لأن الذي يكون سببًا للألفة أولى مما يكون سببًا للوحشة ، وأيضًا فهذه المناجاة ليست من الواجبات ولا من الطاعات المندوبة ، بل قد بينا أنهم إنما كلفوا بهذه الصدقة ليتركوا هذه المناجاة ، ولما كان الأولى بهذه المناجاة أن تكون متروكة لم يكن تركها سببًا للطعن .

المسألة الرابعة: روي عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: لما نزلت الآية دعاني رسول الله A فقال: « ما تقول في دينار؟ » قلت: لا يطيقونه ، قال: « كم؟ » قلت: حبة أو شعيرة ، قال: « إنك لزهيد » والمعنى إنك قليل المال فقدرت على حسب حالك .

أما قوله تعالى: { ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ } أي ذلك التقديم في دينكم وأطهر لأن الصدقة طهرة .

أما قوله: { فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } فالمراد منه الفقراء ، وهذا يدل على أن من لم يجد ما يتصدق به كان معفوًا عنه .

المسألة الخامسة: أنكر أبو مسلم وقوع النسخ وقال: إن المنافقين كانوا يمتنعون من بذل الصدقات ، وإن قومًا من المنافقين تركوا النفاق وآمنوا ظاهرًا وباطنًا إيمانًا حقيقيًا ، فأراد الله تعالى أن يميزهم عن المنافقين ، فأمر بتقديم الصدقة على النجوى ليتميز هؤلاء الذين آمنوا إيمانًا حقيقيًا عمن بقي على نفاقه الأصلي ، وإذا كان هذا التكليف لأجل هذه المصلحة المقدرة لذلك الوقت ، لا جرم يقدر هذا التكليف بذلك الوقت ، وحاصل قول أبي مسلم: أن ذلك التكليف كان مقدرًا بغاية مخصوصة ، فوجب انتهاؤه عند الانتهاء إلى الغاية المخصوصة ، فلا يكون هذا نسخًا ، وهذا الكلام حسن ما به بأس ، والمشهور عند الجمهور أنه منسوخ بقوله: { أَءشْفَقْتُمْ } ومنهم من قال: إنه منسوخ بوجوب الزكاة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت