المسألة الثالثة: اعلم أن منافع النجوم كثيرة ، منها أن الله تعالى زين السماء بها ، ومنها أنه يحصل بسببها في الليل قدر من الضوء ، ولذلك فإنه إذا تكاثف السحاب في الليل عظمت الظلمة ، وذلك بسبب أن السحاب يحجب أنوارها ، ومنها أنه يحصل بسببها تفاوت في أحوال الفصول الأربعة ، فإنها أجسام عظيمة نورانية ، فإذا قارنت الشمس كوكبًا مسخنًا في الصيف ، صار الصيف أقوى حرًا ، وهو مثل نار تضم إلى نار أخرى ، فإنه لا شك أن يكون الأثر الحاصل من المجموع أقوى ، ومنها أنه تعالى جعلها علامات يهتدى بها في ظلمات البر والبحر ، على ما قال تعالى: { وعلامات وبالنجم هُمْ يَهْتَدُونَ } [ النحل: 16 ] ومنها أنه تعالى جعلها رجومًا للشياطين الذين يخرجون الناس من نور الإيمان إلى ظلمات الكفر ، يروى أن السبب في ذلك أن الجن كانت تتسمع لخبر السماء ، فلما بعث محمد A حرست السماء ، ورصدت الشياطين ، فمن جاء منهم مسترقًا للسمع رمي بشهاب فأحرقه لئلا ينزل به إلى الأرض فيلقيه إلى الناس فيخلط على النبي أمره ويرتاب الناس بخبره ، فهذا هو السبب في انقضاض الشهب ، وهو المراد من قوله: { وجعلناها رُجُومًا للشياطين } ومن الناس من طعن في هذا من وجوه أحدها: أن انقضاض الكواكب مذكور في كتب قدماء الفلاسفة ، قالوا: إن الأرض إذا سخنت بالشمس ارتفع منها بخار يابس ، وإذا بلغ النار التي دون الفلك احترق بها ، فتلك الشعلة هي الشهاب وثانيها: أن هؤلاء الجن كيف يجوز أن يشاهدوا واحدًا وألفًا من جنسهم يسترقون السمع فيحترقون ، ثم إنهم مع ذلك يعودون لمثل صنيعهم فإن العاقل إذا رأى الهلاك في شيء مرة ومرارًا وألفًا امتنع أن يعود إليه من غير فائدة وثالثها: أنه يقال في ثخن السماء فإنه مسيرة خمسمائة عام ، فهؤلاء الجن إن نفذوا في جرم السماء وخرقوا اتصاله ، فهذا باطل لأنه تعالى نفى أن يكون فيها فطور على ما قال: { فارجع البصر هَلْ ترى مِن فُطُورٍ } [ الملك: 3 ] وإن كانوا لا ينفذون في جرم السماء ، فكيف يمكنهم أن يسمعوا أسرار الملائكة من ذلك البعد العظيم ، ثم إن جاز أن يسمعوا كلامهم من ذلك البعد العظيم ، فلا يسمعوا كلام الملائكة حال كونهم في الأرض ورابعها: أن الملائكة إنما اطلعوا على الأحوال المستقبلة ، إما لأنهم طالعوها في اللوح المحفوظ أو لأنهم تلقفوها من وحي الله تعالى إليهم ، وعلى التقديرين فلم لم يسكتوا عن ذكرها حتى لا يتمكن الجن من الوقوف عليها وخامسها: أن الشياطين مخلوقون من النار ، والنار لا تحرق النار بل تقويها ، فكيف يعقل أن يقال: إن الشياطين زجروا عن استراق السمع بهذه الشهب وسادسها: أنه كان هذا الحذف لأجل النبوة فلم دام بعد وفاة الرسول E وسابعها: أن هذه الرجوم إنما تحدث بالقرب من الأرض ، بدليل أنا نشاهد حركتها بالعين ولو كانت قريبة من الفلك ، لما شاهدنا حركتها كما لم نشاهد حركات الكواكب ، وإذا ثبت أن هذه الشهب إنما تحدث بالقرب من الأرض ، فكيف يقال: إنها تمنع الشياطين من الوصول إلى الفلك وثامنها: أن هؤلاء الشياطين لو كان يمكنهم أن ينقلوا أخبار الملائكة من المغيبات إلى الكهنة ، فلم لا ينقلون أسرار المؤمنين إلى الكفار ، حتى يتوصل الكفار بواسطة وقوفهم على أسرارهم إلى إلحاق الضرر بهم؟ وتاسعها: لم لم يمنعهم الله ابتداء من الصعود إلى السماء حتى لا يحتاج في دفعهم عن السماء إلى هذه الشهب؟ .