{ وَرَبُّكَ الأكرم * الذى عَلَّمَ بالقلم * عَلَّمَ الإنسان ما لَمْ يَعْلَمْ } [ العلق: 3 5 ] فمنّ بتيسير الكتابة بالقلم كما منَّ بالنطق فقال: { خَلَقَ الإنسان * عَلَّمَهُ البيان } [ الرحمن: 3 ، 4 ] ووجه الانتفاع به أن ينزل الغائب منزلة المخاطب فيتمكن المرء من تعريف البعيد به ما يتمكن باللسان من تعريف القريب والثاني: أن المقسم به هو القلم المعهود الذي جاء في الخبر أن أول ما خلق الله القلم ، قال ابن عباس: أول ما خلق الله القلم ثم قال له اكتب ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة ، فجرى بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة من الآجال والأعمال ، قال: وهو قلم من نور طوله كما بين السماء والأرض ، وروى مجاهد عنه قال: أول ما خلق الله القلم فقال: اكتب القدر فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة وإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه . قال القاضي: هذا الخبر يجب حمله على المجاز ، لأن القلم الذي هو آلة مخصوصة في الكتابة لا يجوز أن يكون حيًا عاقلًا فيؤمر وينهى فإن الجمع بين كونه حيوانًا مكلفًا وبين كونه آلة للكتابة محال ، بل المراد منه أنه تعالى أجراه بكل ما يكون وهو كقوله: { إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ } [ البقرة: 117 ] فإنه ليس هناك أمر ولا تكليف ، بل هو مجرد نفاذ القدرة في المقدور من غير منازعة ولا مدافعة ، ومن الناس من زعم أن القلم المذكور ههنا هو العقل ، وأنه شيء هو كالأصل لجميع المخلوقات ، قالوا: والدليل عليه أنه روي في الأخبار أن أول ما خلق الله القلم ، وفي خبر آخر: أول ما خلق الله تعالى جوهرة فنظر إليها بعين الهيبة فذابت وتسخنت فارتفع منها دخان وزبد فخلق من الدخان السموات ومن الزبد الأرض ، قالوا: فهذه الأخبار بمجموعها تدل على أن القلم والعقل وتلك الجوهرة التي هي أصل المخلوقات شيء واحد وإلا حصل التناقض .
قوله تعالى: { وَمَا يَسْطُرُونَ } .
اعلم أن ما مع ما بعدها في تقدير المصدر ، فيحتمل أن يكون المراد وسطرهم ، فيكون القسم واقعًا بنفس الكتابة ، ويحتمل أن يكون المراد المسطور والمكتوب ، وعلى التقديرين فإن حملنا القلم على كل قلم في مخلوقات الله كان المعنى ظاهرًا ، وكأنه تعالى أقسم بكل قلم ، وبكل ما يكتب بكل قلم ، وقيل: بل المراد ما يسطره الحفظة والكرام الكاتبون ، ويجوز أن يراد بالقلم أصحابه ، فيكون الضمير في { يَسْطُرُونَ } لهم ، كأنه قيل: وأصحاب القلم وسطرهم ، أي ومسطوراتهم . وأما إن حملنا القلم على ذلك القلم المعين ، فيحتمل أن يكون المراد بقوله: { وَمَا يَسْطُرُونَ } أي وما يسطرون فيه وهو اللوح المحفوظ ، ولفظ الجمع في قوله: { يَسْطُرُونَ } ليس المراد منه الجمع بل التعظيم ، أو يكون المراد تلك الأشياء التي سطرت فيه من الأعمال والأعمار ، وجميع الأمور الكائنة إلى يوم القيامة .
واعلم أنه تعالى لما ذكر المقسم به أتبعه بذكر المقسم عليه فقال: