وروي عن ابن عباس أنه قال معناه: وإنك لعلى دين عظيم ، وروي أن الله تعالى قال له: «لم أخلق دينًا أحب إلي ولا أرضى عندي من هذا الدين الذي اصطفيته لك ولأمتك» يعني الإسلام ، واعلم أن هذا القول ضعيف ، وذلك لأن الإنسان له قوتان ، قوة نظرية وقوة عملية ، والدين يرجع إلى كمال القوة النظرية ، والخلق يرجع إلى كمال القوة العملية ، فلا يمكن حمل أحدهما على الآخر ، ويمكن أيضًا أن يجاب عن هذا السؤال من وجهين: الوجه الأول: أن الخلق في اللغة هو العادة سواء كان ذلك في إدراك أو في فعل الوجه الثاني: أنا بينا أن الخلق هو الأمر الذي باعتباره يكون الإتيان بالأفعال الجميلة سهلًا ، فلما كانت الروح القدسية التي له شديدة الاستعداد للمعارف الإلهية الحقة وعديمة الاستعداد لقبول العقائد الباطلة ، كانت تلك السهولة حاصلة في قبول المعارف الحقة ، فلا يبعد تسمية تلك السهول بالخلق .
المسألة الثالثة: قال سعيد بن هشام: قلت لعائشة: «أخبريني عن خلق رسول الله ، قالت ألست قرأ القرآن؟ قلت: بلى قالت: فإنه كان خلق النبي E» وسئلت مرة أخرى فقالت: كان خلقه القرآن ، ثم قرأت: { قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون } [ المؤمنون: 1 ] إلى عشرة آيات ، وهذا إشارة إلى أن نفسه المقدسة كانت بالطبع منجذبة إلى عالم الغيب ، وإلى كل ما يتعلق بها ، وكانت شديدة النفرة عن اللذات البدنية والسعادة الدنيوية بالطبع ومقتضى الفطرة ، اللهم ارزقنا شيئًا من هذه الحالة . وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: «ما كان أحد أحسن خلقًا من رسول الله A ، ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلا قال لبيك» فلهذا قال تعالى: { وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } وقال أنس: «خدمت رسول الله A عشر سنين ، فما قال لي في شي فعلته لم فعلت ، ولا في شيء لم أفعله هلا فعلت» وأقول: إن الله تعالى وصف ما يرجع إلى قوته النظرية بأنه عظيم ، فقال: { وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيمًا } [ النساء: 113 ] ووصف ما يرجع إلى قوته العملية بأنه عظيم فقال: { وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } فلم يبق للإنسان بعد هاتين القوتين شيء ، فدل مجموع هاتين الآيتين على أن روحه فيما بين الأرواح البشرية كانت عظيمة عالية الدرجة ، كأنها لقوتها وشدة كمالها كانت من جنس أرواح الملائكة .
واعلم أنه تعالى لما وصفه بأنه على خلق عظيم قال: