فهرس الكتاب

الصفحة 7626 من 8321

وههنا بحث آخر وهو ما روي عن ابن عباس أنه قال: سقط عن أصحاب رسول الله A قيام الليل وصارت تطوعًا وبقي ذلك فرضًا على رسول الله A .

ثم إنه تعالى ذكر الحكمة في هذا النسخ فقال تعالى: { علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرؤا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتو الزكاة } .

واعلم أن تقدير هذه الآية كأنه قيل: لم نسخ الله ذلك؟ فقال: لأنه علم كذا وكذا والمعنى لتعذر القيام على المرضى والضاربين في الأرض للتجارة والمجاهدين في سبيل الله ، أما المرضى فإنهم لا يمكنهم الاشتغال بالتهجد لمرضهم ، وأما المسافرون والمجاهدون فهم مشتغلون في النهار بالأعمال الشاقة ، فلو لم يناموا في الليل لتوالت أسباب المشقة عليهم ، وهذا السبب ما كان موجودًا في حق النبي A ، كما قال تعالى: { إِنَّ لَكَ فِى النهار سَبْحًَا طَوِيلًا } [ المزمل: 7 ] فلا جرم ما صار وجوب التهجد منسوخًا في حقه . ومن لطائف هذه الآية أنه تعالى سوى بين المجاهدين والمسافرين للكسب الحلال وعن ابن مسعود: « أيما رجل جلب شيئًا إلى مدينة من مدائن المسلمين صابرًا محتسبًا فباعه بسعر يومه كان عند الله من الشهداء » ثم أعاد مرة أخرى قوله: { فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ } وذلك للتأكيد ثم قال: { وأقيموا الصلاة } يعني المفروضة { وآتوا الزكاة } أي الواجبة وقيل: زكاة الفطر لأنه لم يكن بمكة زكاة وإنما وجبت بعد ذلك ومن فسرها بالزكاة الواجبة جعل آخر السورة مدنيًا .

قوله تعالى: { وَأَقْرِضُواُ الله قَرْضًا حَسَنًا } فيه ثلاثة أوجه أحدها: أنه يريد سائر الصدقات وثانيها: يريد أداء الزكاة على أحسن وجه ، وهو إخراجها من أطيب الأموال وأكثرها نفعًا للفقراء ومراعاة النية وابتغاء وجه الله والصرف إلى المستحق وثالثها: يريد كل شيء يفعل من الخير مما يتعلق بالنفس والمال .

ثم ذكر تعالى الحكمة في إعطاء المال فقال: { وَمَا تُقَدّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ الله هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا واستغفروا الله إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: قال ابن عباس: تجدوه عند الله خيرًا وأعظم أجرًا من الذي تؤخره إلى وصيتك عند الموت ، وقال الزجاج: وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرًا لكم من متاع الدنيا ، والقول ما قاله ابن عباس .

المسألة الثانية: معنى الآية: وما تقدموا لأنفسكم من خير فإنكم تجدوه عند الله خيرًا وأعظم أجرًا إلا أنه قال: هو خيرًا للتأكيد والمبالغة ، وقرأ أبو السمال هو خير وأعظم أجرًا بالرفع على الابتداء والخبر ، ثم قال: { واستغفروا الله } لذنوبكم والتقصيرات الصادرة منكم خاصة في قيام الليل { أَنَّ الله غَفُورٌ } لذنوب المؤمنين { رَّحِيمٌ } بهم ، وفي الغفور قولان: أحدهما: أنه غفور لجميع الذنوب ، وهو قول مقاتل والثاني: أنه غفور لمن يصر على الذنب ، احتج مقاتل على قوله بوجهين الأول: أن قوله: { غَفُورٌ رَّحِيمٌ } يتناول التائب والمصر ، بدليل أنه يصح استثناء كل واحد منهما وحده عنه وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل والثاني: أن غفران التائب واجب عند الخصم ولا يحصل المدح بأداء الواجب ، والغرض من الآية تقرير المدح فوجب حمله على الكل تحقيقًا للمدح ، والله سبحانه وتعالى أعلم ، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد النبي وآله وصحبه أجمعين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت