{ يأَيُّهَا المدثر } [ المدثر: 1 ] وكان التدثر لباسًا ، والدثار من الثياب ، قيل طهر ثيابك التي أنت متدثر بها عن أن تلبسها على هذا التفكر والجزع والضجر من افتراء المشركين الوجه الثاني: أن يفسر المدثر بكونه متدثرًا بالنبوة ، كأنه قيل: يا أيها المتدثر بالنبوة طهر ما تدثرت به عن الجزع وقلة الصبر ، والغضب والحقد ، فإن ذلك لا يليق بهذا الدثار ، ثم أوضح ذلك بقوله: { وَلِرَبّكَ فاصبر } [ المدثر: 7 ] واعلم أن حمل المدثر على المتصف ببعض الصفات جائز ، يقال: فلان طاهر الجيب نقي الذيل ، إذا وصفوه بالنقاء من المعايب ، ويقال: فلان دنس الثياب إذا كان موصوفًا بالأخلاق الذميمة ، قال الشاعر:
فلا أب وابنًا مثل مروان وابنه ... إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا
والسبب في حسن هذه الكناية وجهان الأول: أن الثوب كالشيء الملازم للإنسان ، فلهذا السبب جعلوا الثواب كناية عن الإنسان ، يقال: المجد في ثوبه والعفة في إزاره والثاني: أن الغالب أن من طهر باطنه ، فإنه يطهر ظاهره الوجه الثاني: في تأويل الآية أن قوله: { وَثِيَابَكَ فَطَهّرْ } أمر له بالاحتراز عن الآثام والأوزار التي كان يقدم عليها قبل النبوة ، وهذا على تأويل من حمل قوله: { وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الذى أَنقَضَ ظَهْرَكَ } [ الشرح: 2 ، 3 ] على أيام الجاهلية الوجه الثاني: في تأويل الآية قال محمد بن عرفة النحوي معناه: نساءك طهرهن ، وقد يكنى عن النساء بالثياب ، قال تعالى: { هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ } [ البقرة: 187 ] وهذا التأويل بعيد ، لأن على هذا الوجه لا يحسن اتصال الآية بما قبلها .