{ أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ } [ الطور: 40 ] .
السؤال الثاني: هذا النهي مختص بالرسول E ، أم يتناول الأمة؟ الجواب: ظاهر اللفظ لا يفيد العموم وقرينة الحال لا تقتضي العموم لأنه E إنما نهى عن ذلك تنزيهًا لمنصب النبوة ، وهذا المعنى غير موجود في الأمة ، ومن الناس من قال هذا المعنى في حق الأمة هو الرياء ، والله تعالى منع الكل من ذلك .
السؤال الثالث: بتقدير أن يكون هذا النهي مختصًا بالنبي A فهو نهي تحريم أو نهي تنزيه؟ والجواب: ظاهر النهي للتحريم الوجه السادس: في تأويل الآية قال القفال: يحتمل أن يكون المقصد من الآية أن يحرم على النبي A أن يعطي لأحد شيئًا لطلب عوض سواء كان ذلك العوض زائدًا أو ناقصًا أو مساويًا ، ويكون معنى قوله: { تَسْتَكْثِرُ } أي طالبًا للكثرة كارهًا أن ينقص المال بسبب العطاء ، فيكون الاستكثار ههنا عبارة عن طلب العوض كيف كان ، وإنما حسنت هذه الاستعارة لأن الغالب أن الثواب يكون زائدًا على العطاء ، فسمى طلب الثواب استكثارًا حملًا للشيء على أغلب أحواله ، وهذا كما أن الأغلب أن المرأة إنما تتزوج ولها ولد للحاجة إلى من يربي ولدها فسمي الولد ربيبًا ، ثم اتسع الأمر فسمي ربيبا وإن كان حين تتزوج أمه كبيرًا ، ومن ذهب إلى هذا القول قال: السبب فيه أن يصير عطاء النبي A خاليًا عن انتظار العوض والتفات الناس إليه ، فيكون ذلك خالصًا مخلصًا لوجه الله تعالى الوجه السابع: أن يكون المعنى ولا تمنن على الناس بما تنعم عليهم وتعطيهم استكثارًا منك لتلك العطية ، بل ينبغي أن تستقلها وتستحقرها وتكون كالمتعذر من ذلك المنعم عليه في ذلك الإنعام ، فإن الدنيا بأسرها قليلة ، فكيف ذلك القدر الذي هو قليل في غاية القلة بالنسبة إلى الدنيا ، وهذه الوجوه الثلاثة الأخيرة كالمرتبة فالوجه الأول: معناه كونه E ممنوعًا من طلب الزيادة في العوض والوجه الثاني: معناه كونه ممنوعًا عن طلب مطلق العوض زائدًا كان أو مساويًا أو ناقصًا والوجه الثالث: معناه أن يعطي وينسب نفسه إلى التقصير ويجعل نفسه تحت منة المنعم عليه حيث قبل منه ذلك الإنعام الوجه الثامن: معناه إذا أعطيت شيئًا فلا ينبغي أن تمن عليه بسبب أنك تستكثر تلك العطية ، فإن المن محبط لثواب العمل ، قال تعالى: { لاَ تُبْطِلُواْ صدقاتكم بالمن والأذى كالذى يُنفِقُ مَالَهُ رئاء الناس } [ البقرة: 264 ] .
المسألة الثانية: قرأ الحسن: { تَسْتَكْثِرُ } بالجزم وأكثر المحققين أبوا هذه القراءة ، ومنهم من قبلها وذكروا في صحتها ثلاثة أوجه: أحدها: كأنه قيل: لا تمنن لا تستكثر وثانيها: أن يكون أراد تستكثر فأسكن الراء لثقل الضمة مع كثرة الحركات ، كما حكاه أبو زيد في قوله تعالى: { بلى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ } بإسكان اللام وثالثها: أن يعتبر حال الوقف ، وقرأ الأعمش: { تَسْتَكْثِرُ } بالنصب بإضمار أن كقوله:
ألا أيهذا الزاجري احضر الوغى ... ( وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدى )
ويؤيده قراءة ابن مسعود: ولا تمنن أن تستكثر .