وأما السؤال الثاني: فضعيف أيضًا ، لأنه لا يبعد في قدرة الله تعالى أن يعطي هذا العدد من القدرة والقوة ما يصيرون به قادرين على تعذيب جملة الخلق ، ومتمكنين من ذلك من غير خلل ، وبالجملة فمدار هذين السؤالين على القدح في كمال قدرة الله ، فأما من اعترف بكونه تعالى قادرًا على مالا نهاية له من المقدورات ، وعلم أن أحوال القيامة على خلاف أحوال الدنيا زال عن قلبه هذه الاستبعادات بالكلية .
المسألة الثانية: احتج من قال: إنه تعالى قد يريد الإضلال بهذه الآية ، قال لأن قوله تعالى: { وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ } يدل على أن المقصود الأصلي إنما هو فتنة الكافرين ، أجابت المعتزلة عنه من وجوه أحدها: قال الجبائي: المراد من الفتنة تشديد التعبد ليستدلوا ويعرفوا أنه تعالى قادر على أن يقوي هؤلاء التسعة عشر على مالا يقوى عليه مائة ألف ملك أقوياء وثانيها: قال الكعبي: المراد من الفتنة الامتحان حتى يفوض المؤمنون حكمة التخصيص بالعدد المعين إلى علم الخالق سبحانه ، وهذا من المتشابه الذي أمروا بالإيمان به وثالثها: أن المراد من الفتنة ما وقعوا فيه من الكفر بسبب تكذيبهم بعدد الخزنة ، والمعنى إلا فتنة على الذين كفروا ليكذبوا به ، وليقولوا ما قالوا ، وذلك عقوبة لهم على كفرهم ، وحاصله راجع إلى ترك الألطاف والجواب: أنه لا نزاع في شيء مما ذكرتم ، إلا أنا نقول: هل لإنزال هذه المتشابهات أثر في تقوية داعية الكفر ، أم لا؟ فإذا لم يكن له أثر في تقوية داعية الكفر ، كان إنزالها كسائر الأمور الأجنبية ، فلم يكن للقول بأن إنزال هذه المتشابهات فتنة للذين كفروا وجه ألبتة ، وإن كان له أثر في تقوية داعية الكفر ، فقد حصل المقصود ، لأنه إذا ترجحت داعية الفعل ، صارت داعية الترك مرجوحة ، والمرجوح يمتنع أن يؤثر ، فالترك يكون ممتنع الوقوع ، فيصير الفعل واجب الوقوع ، والله أعلم ، واعلم أنه تعالى بين أن المقصود من إنزال هذا المتشابه أمور أربعة . أولها: { لِيَسْتَيْقِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب } وثانيها: { وَيَزْدَادَ الذين ءامَنُواْ إيمانا } وثالثها: { وَلاَ يَرْتَابَ الذين أُوتُواْ الكتاب والمؤمنون } ورابعها: { وَلِيَقُولَ الذين فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ والكافرون مَاذَا أَرَادَ الله بهذا مَثَلًا } واعلم أن المقصود من تفسير هذه الآيات لا يتلخص إلا بسؤالات وجوابات:
السؤال الأول: لفظ القرآن يدل على أنه تعالى جعل افتتان الكفار بعدد الزبانية سببًا لهذه الأمور الأربعة ، فما الوجه في ذلك؟ والجواب: أنه ما جعل افتتانهم بالعدد سببًا لهذه الأشياء وبيانه من وجهين الأول: التقدير: وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ، وإلا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ، كما يقال: فعلت كذا لتعظيمك ولتحقير عدوك ، قالوا: والعاطفة قد تذكر في هذا الموضع تارة .