{ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءانَهُ } [ القيامة: 17 ] وقال في سورة أخرى: { وَلاَ تَعْجَلْ بالقرءان مِن قَبْلِ إَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَبّى زِدْنِى عِلْمًا } [ طه: 114 ] أي لا تستعن في طلب الحفظ بالتكرار بل اطلبه من الله تعالى وسادسها: ما ذكره القفال وهو أن قوله: { لاَ تُحَرّكْ بِهِ لِسَانَكَ } ليس خطابًا مع الرسول عليه السلام بل هو خطاب مع الإنسان المذكور في قوله: { يُنَبَّأُ الإنسان يَوْمَئِذِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ } [ القيامة: 13 ] فكان ذلك للإنسان حال ما ينبأ بقبائح أفعاله وذلك بأن يعرض عليه كتابه فيقال له: { اقرأ كتابك كفى بِنَفْسِكَ اليوم عَلَيْكَ حَسِيبًا } [ الإسراء: 14 ] فإذا أخذ في القراءة تلجلج لسانه من شدة الخوف وسرعة القراءة فيقال له لا تحرك به لسانك لتعجل به ، فإنه يجب علينا بحكم الوعد أو بحكم الحكمة أن نجمع أعمالك عليك وأن نقرأها عليك فإذا قرأناه عليك فاتبع قرآنه بالإقرار بأنك فعلت تلك الأفعال ، ثم إن علينا بيان أمره وشرح مراتب عقوبته ، وحاصل الأمر من تفسير هذه الآية أن المراد منه أنه تعالى يقرأ على الكافر جميع أعماله على سبيل التفصيل ، وفيه أشد الوعيد في الدنيا وأشد التهويل في الآخرة ، ثم قال القفال: فهذا وجه حسن ليس في العقل ما يدفعه وإن كانت الآثار غير واردة به .
المسألة الثانية: احتج من جوز الذنب على الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية ، فقال: إن ذلك الاستعجال إن كان بإذن الله تعالى فكيف نهاه عنه وإن كان لا بإذن الله تعالى فقد صدر الذنب عنه الجواب: لعل ذلك الاستعجال كان مأذونًا فيه إلى وقت النهي عنه ، ولا يبعد أن يكون الشيء مأذونًا فيه في وقت ثم يصير منهيًا عنه في وقت آخر ، ولهذا السبب قلنا: يجوز النسخ .
المسألة الثالثة: روى سعيد بن جبير عن ابن عباس ، قال: كان رسول الله A يشتد عليه حفظ التنزيل وكان إذا نزل عليه الوحي يحرك لسانه وشفتيه قبل فراغ جبريل مخافة أن لا يحفظ ، فأنزل تعالى: { لاَ تُحَرّكْ بِهِ لِسَانَكَ } أي بالوحي والتنزيل والقرآن ، وإنما جاز هذا الإضمار وإن لم يجر له ذكر لدلالة الحال عليه ، كما أضمر في قوله: { إِنَّا أنزلناه فِى لَيْلَةِ القدر } [ القدر: 1 ] ونظير قوله: { وَلاَ تَعْجَلْ بالقرءان مِن قَبْلِ أَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ } [ طه: 114 ] وقوله: { لِتَعْجَلَ بِهِ } أي لتعجل بأخذه .