فهرس الكتاب

الصفحة 7736 من 8321

{ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ } [ الكهف: 31 ] واعلم أن حقائق هذه الآية قد تقدمت في سورة الكهف .

المسألة الثالثة: السندس ما رق من الديباج ، والاستبرق ما غلظ منه ، وكل ذلك داخل في اسم الحرير قال تعالى: { وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ } [ الحج: 23 ] ثم قيل: إن الذين هذا لباسهم هم الولدان المخلدون ، وقيل: بل هذا لباس الأبرار ، وكأنهم يلبسون عدة من الثياب فيكون الذي يعلوها أفضلها ، ولهذا قال: { عاليهم } وقيل هذا من تمام قوله: { مُّتَّكِئِينَ فِيهَا على الأرائك } ومعنى { عاليهم } أي فوق حجالهم المضروبة عليهم ثياب سندس ، والمعنى أن حجالهم من الحرير والديباج .

قوله تعالى: { وَحُلُّواْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ } وفيه سؤالات:

السؤال الأول: قال تعالى في سورة الكهف: { أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الأنهار يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ } [ الكهف: 31 ] فكيف جعل تلك الأساور ههنا من فضة؟ والجواب: من ثلاثة أوجه أحدها: أنه لا منافاة بين الأمرين فلعلهم يسورون بالجنسين إما على المعاقبة أو على الجمع كما تفعل النساء في الدنيا وثانيها: أن الطباع مختلفة فرب إنسان يكون استحسانه لبياض الفضة فوق استحسانه لصفرة الذهب ، فالله تعالى يعطي كل أحد ما تكون رغبته فيه أتم ، وميله إليه أشد وثالثها: أن هذه الأسورة من الفضة إنما تكون للوالدان الذين هم الخدم وأسورة الذهب للناس .

السؤال الثاني: السوار إنما يليق بالنساء وهو عيب للرجال ، فكيف ذكر الله تعالى ذلك في معرض الترغيب؟ الجواب: أهل الجنة جرد مرد شباب فلا يبعد أن يحلوا ذهبًا وفضة وإن كانوا رجالًا ، وقيل: هذه الأسورة من الفضة والذهب إنما تكون لنساء أهل الجنة وللصبيان فقط ، ثم غلب في اللفظ جانب التذكير ، وفي الآية وجه آخر ، وهو أن آلة أكثر الأعمال هي اليد وتلك الأعمال والمجاهدات هي التي يتوسل بها إلى تحصيل المعارف الإلهية والأنوار الصمدية ، فتكون تلك الأعمال جارية مجرى الذهب والفضة التي يتوسل بهما إلى تحصيل المطالب ، فلما كانت تلك الأعمال صادرة من اليد كانت تلك الأعمال جارية مجرى سوار الذهب والفضة ، فسميت الأعمال والمجاهدات بسوار الذهب والفضة ، وعبر عن تلك الأنوار الفائضة عن الحضرة الصمدية بقوله: { وسقاهم رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا } وبالجملة فقوله: { وَحُلُّواْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ } إشارة إلى قوله: { والذين جاهدوا فِينَا } وقوله: { وسقاهم رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا } إشارة إلى قوله: { لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } [ العنكبوت: 69 ] فهذا احتمال خطر بالبال ، والله أعلم بمراده .

قوله تعالى: { وسقاهم رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا } الطهور فيه قولان: الأول: المبالغة في كونه طاهرًا ، ثم فيه على هذا التفسير احتمالات أحدها: أنه لا يكون نجسًا كخمر الدنيا وثانيها: المبالغة في البعد عن الأمور المستقذرة يعني ما مسته الأيدي الوضرة ، وما داسته الأقدام الدنسة وثالثها: أنها لا تؤول إلى النجاسة لأنها ترشح عرقًا من أبدانهم له ريح كريح المسك القول الثاني: في الطهور أنه المطهر ، وعلى هذا التفسير أيضًا في الآية احتمالان أحدهما: قال مقاتل: هو عين ماء على باب الجنة تنبع من ساق شجرة من شرب منها نزع الله ما كان في قلبه من غل وغش وحسد ، وما كان في جوفه من قذر وأذى وثانيهما: قال أبو قلابة: يؤتون الطعام والشراب فإذا كان في آخر ذلك أتوا بالشراب الطهور ، فيشربون فتطهر بذلك بطونهم ، ويفيض عرق من جلودهم مثل ريح المسك ، وعلى هذين الوجهين يكون الطهور ، مطهرًا لأنه يطهر باطنهم عن الأخلاق الذميمة ، والأشياء المؤذية ، فإن قيل: قوله تعالى: { وسقاهم رَبُّهُمْ } هو عين ما ذكر تعالى قبل ذلك من أنهم يشربون من عين الكافور ، والزنجبيل ، والسلسبيل أو هذا نوع آخر؟ قلنا: بل هذا نوع آخر ، ويدل عليه وجوه أحدها: دفع التكرار وثانيها: أنه تعالى أضاف هذا الشراب إلى نفسه ، فقال: { وسقاهم رَبُّهُمْ } وذلك يدل على فضل في هذا دون غيره وثالثها: ما روينا أنه تقدم إليهم الأطعمة والأشربة ، فإذا فرغوا منها أتوا بالشراب الطهور فيشربون ، فيطهر ذلك بطونهم ، ويفيض عرقًا من جلودهم مثل ريح المسك ، وهذا يدل على أن هذا الشراب مغاير لتلك الأشربة ، ولأن هذا الشراب يهضم سائر الأشربة ، ثم له مع هذا الهضم تأثير عجيب ، وهو أنه يجعل سائر الأطعمة والأشربة عرقًا يفوح منه ريح كريح المسك ، وكل ذلك يدل على المغايرة ورابعها: وهو أن الروح من عالم الملائكة ، والأنوار الفائضة من جواهر أكابر الملائكة ، وعظمائهم على هذه الأرواح مشبهة بالماء العذب الذي يزيل العطش ويقوي البدن ، وكما أن العيون متفاوتة في الصفاء والكثرة والقوة ، فكذا ينابيع الأنوار العلوية مختلفة ، فبعضها تكون كافورية على طبع البرد واليبس ، ويكون صاحبها في الدنيا في مقام الخوف والبكاء والانقباض ، وبعضها تكون زنجبيلية على طبع الحر واليبس ، فيكون صاحب هذه الحالة قليل الالتفات إلى ما سوى الله تعالى قليل المبالاة بالأجسام والجسمانيات ، ثم لا تزال الروح البشرية منتقلة من ينبوع إلى ينبوع ، ومن نور إلى نور ، ولا شك أن الأسباب والمسببات متناهية في ارتقائها إلى واجب الوجود الذي هو النور المطلق جل جلاله وعز كماله ، فإذا وصل إلى ذلك المقام وشرب من ذلك الشراب انهضمت تلك الأشربة المتقدمة ، بل فنيت ، لأن نور ما سوى الله تعالى يضمحل في مقابلة نور الله وكبريائه وعظمته ، وذلك هو آخر سير الصديقين ، ومنتهى درجاتهم في الإرتقاء والكمال ، فلهذا السبب ختم الله تعالى ذكر ثواب الأبرار على قوله: { وسقاهم رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت