فهرس الكتاب

الصفحة 7791 من 8321

وبالجملة فالمراد تتابع القطر حتى يكثر الماء فيعظم النفع به . وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: كل شيء نبت من الأرض فإما أن لا يكون له ساق وإما أن يكون ، فإن لم يكن له ساق فإما أن يكون له أكمام وهو الحب وإما أن لا يكون له أكمام وهو الحشيش وهو المراد ههنا بقوله: { ونباتًا } وإلى هذين القسمين الإشارة بقوله تعالى: { كلوا وارعوا أنعامكم } [ طه: 54 ] وأما الذي له ساق فهو الشجر فإذا اجتمع منها شيء كثير سميت جنة ، فثبت بالدليل العقلي انحصار ما ينبت في الأرض في هذه الأقسام الثلاثة ، وإنما قدم الله تعالى الحب لأنه هو الأصل في الغذاء ، وإنما ثنى بالنبات لاحتياج سائر الحيوانات إليه ، وإنما أخر الجنات في الذكر لأن الحاجة إلى الفواكه ليست ضرورية . المسألة الثانية: اختلفوا في ألفافًا ، فذكر صاحب «الكشاف» أنه لا واحد له كالأوزاع والأخياف ، والأوزاع الجماعات المتفرقة والأخياف الجماعات المختلطة . وكثير من اللغويين أثبتوا له واحدًا ، ثم اختلفوا فيه ، فقال الأخفش والكسائي: واحدها لف بالكسر ، وزاد الكسائي: لف بالضم ، وأنكر المبرد الضم ، وقال: بل واحدها لفاء . وجمعها لف ، وجمع لف ألفاف ، وقيل يحتمل أن يكون لفيف كشريف وأشراف نقله القفال C ، إذا عرفت هذا فنقول قوله: { وجنات ألفافًا } أي ملتفة ، والمعنى أن كل جنة فإن ما فيها من الشجر تكون مجتمعة متقاربة ، ألا تراهم يقولون امرأة لفاء إذا كانت غليظة الساق مجتمعة اللحم يبلغ من تقاربه أن يتلاصق . المسألة الثالثة: كان الكعبي من القائلين بالطبائع ، فاحتج بقوله تعالى: { لنخرج به حبًا ونباتًا } وقال: إنه يدل على بطلان قول من قال إن الله تعالى لا يفعل شيئًا بواسطة شيء آخر . اعلم أن التسعة التي عددها الله تعالى نظرًا إلى حدوثها في ذواتها وصفاتها ، ونظرًا إلى إمكانها في ذواتها وصفاتها تدل على القادر المختار ، ونظرًا إلى ما فيها من الإحكام والإتقان تدل على أن فاعلها عالم ، ثم أن ذلك الفاعل القديم يجب أن يكون علمه وقدرته واجبين ، إذ لو كانا جائزين لافتقر إلى فاعل آخر ويلزم التسلسل وهو محال ، وإذا كان العلم والقدرة واجبين وجب تعلقهما بكل ما صح أن يكون مقدورًا ومعلومًا وإلا لافتقر إلى المخصص وهو محال ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون قادرًا على جميع الممكنات عالمًا بجميع المعلومات ، وقد ثبت الإمكان وثبت عموم القدرة في الجسمية فكل ما صح على واحد منها صح على الآخر ، فكما يصح على الأجسام السلفية الانشقاق والانفطار والظلمة وجب أن يصح ذلك على الأجسام ، وإذا ثبت الإمكان وثبت عموم القدرة والعلم ، ثبت أنه تعالى قادر على تخريب الدنيا ، وقادر على إيجاد عالم آخر ، وعند ذلك ثبت أن القول بقيام القيامة ممكن عقلًا وإلى هنا يمكن إثباته بالعقل ، فأما ما وراء ذلك من وقت حدوثها وكيفية حدوثها فلا سبيل إليه إلا بالسمع ، ثم إنه تعالى تكلم في هذه الأشياء بقوله: { إن يوم الفصل كان ميقاتًا } ثم إنه تعالى ذكر بعض أحوال القيامة فأولها: قوله: { إن يوم الفصل كان ميقاتًا } والمعنى أن هذا اليوم كان في تقدير الله ، وحكمه جدًا تؤقت به الدنيا ، أو حدًا للخلائق ينتهون إليه ، أو كان ميقاتًا لما وعد الله من الثواب والعقاب ، أو كان ميقاتًا لاجتماع كل الخلائق في فصل الحكومات وقطع الخصومات .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت