فهرس الكتاب

الصفحة 8016 من 8321

أما قوله: { والملك صَفًّا صَفًّا } فالمعنى أنه تنزل ملائكة كل سماء فيصطفون صفًا بعد صف محدقين بالجن والإنس .

الصفة الثالثة: من صفات ذلك اليوم قوله تعالى: { وَجِيء يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ } ونظيره قوله تعالى: { وَبُرّزَتِ الجحيم لِلْغَاوِينَ } [ الشعراء: 91 ] قال جماعة من المفسرين: جيء بها يوم القيامة مزمومة بسبعين ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها حتى تنصب عن يسار العرش فتشرد شردة لو تركت لأحرقت أهل الجمع ، قال الأصوليون: ومعلوم أنها لا تنفك عن مكانها ، فالمراد { وَبُرّزَتِ } أي ظهرت حتى رآها الخلق ، وعلم الكافر أن مصيره إليها ، ثم قال: { يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنسان } واعلم أن تقدير الكلام: إذا دكت الأرض ، وحصل كذا وكذا فيومئذ يتذكر الإنسان ، وفي تذكره وجوه الأول: أنه يتذكر ما فرط فيه لأنه حين كان في الدنيا كانت همته تحصيل الدنيا ، ثم إنه في الآخرة يتذكر أن ذلك كان ضلالًا ، وكان الواجب عليه أن تكون همته تحصيل الآخرة الثاني: يتذكر أي يتعظ ، والمعنى أنه ما كان يتعظ في الدنيا فيصير في الآخرة متعظًا فيقول: { ياليتنا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذّبَ بئايات رَبّنَا } [ الأنعام: 27 ] ، الثالث: يتذكر يتوب وهو مروي عن الحسن ، ثم قال تعالى: { وأنى لَهُ الذكرى } وقد جاءهم رسول مبين

واعلم أن بين قوله: { يَتَذَكَّرُ } وبين قوله: { وأنى لَهُ الذكرى } تناقضًا فلا بد من إضمار المضاف والمعنى ومن أين له منفعة الذكرى .

ويتفرع على هذه الآية مسألة أصوليه ، وهي أن قبول التوبة عندنا غير واجب على الله عقلًا ، وقالت المعتزلة: هو واجب فنقول: الدليل على قولنا أن الآية دلت ههنا على أن الإنسان يعلم في الآخرة أن الذي يعمله في الدنيا لم يكن أصلح له وإن الذي تركه كان أصلح له ، ومهما عرف ذلك لا بد وأن يندم عليه ، وإذا حصل الندم فقد حصلت التوبة ، ثم إنه تعالى نفى كون تلك التوبة نافعة بقوله: { وأنى لَهُ الذكرى } فعلمنا أن التوبة لا يجب عقلًا قبولها ، فإن قيل القوم: إنما ندموا على أفعالهم لا لوجه قبحها بل لترتب العقاب عليها ، فلا جرم ما كانت التوبة صحيحة؟ قلنا: القوم لما علموا أن الندم على القبيح لا بد وأن يكون لوجه قبحه حتى يكون نافعًا وجب أن يكون ندمهم واقعًا على هذا الوجه ، فحينئذ يكونون آتين بالتوبة الصحيحة مع عدم القبول فصح قولنا . ثم شرح تعالى ما يقوله هذا الإنسان فقال تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت