المسألة الرابعة: أن الله تعالى قد أقسم بسبعة أشياء إلى قوله: { قَدْ أَفْلَحَ } [ الشمس: 9 ] وهو جواب القسم ، قال الزجاج: المعنى لقد أفلح ، لكن اللام حذفت لأن الكلام طال فصار طوله عوضًا منها .
قوله تعالى: { والشمس وضحاها } ذكر المفسرون في ضحاها ثلاثة أقوال قال مجاهد والكلبي: ضوؤها ، وقال قتادة: هو النهار كله ، وهو اختيار الفراء وابن قتيبة ، وقال مقاتل: هو حر الشمس ، وتقرير ذلك بحسب اللغة أن نقول: قال الليث: الضحو ارتفاع النهار ، والضحى فويق ذلك ، والضحاء ممدودًا امتد النهار ، وقرب أن ينتصف . وقال أبو الهيثم: الضح نقيض الظل وهو نور الشمس على وجه الأرض وأصله الضحى ، فاستثقلوا الياء مع سكون الحاء فقلبوها وقال: ضح ، فالضحى هو ضوء الشمس ونورها ثم سمى به الوقت الذي تشرق فيه الشمس على ما في قوله تعالى: { إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضحاها } [ النازعات: 46 ] فمن قال من المفسرين: في ضحاها ضوؤها فهو على الأصل ، وكذا من قال: هو النهار كله ، لأن جميع النهار هو من نور الشمس ، ومن قال: في الضحى إنه حر الشمس فلأن حرها ونورها متلازمان ، فمتى اشتد حرها فقد اشتد ضؤوها وبالعكس ، وهذا أضعف الأقوال ، واعلم أنه تعالى إنما أقسم بالشمس وضحاها لكثرة ما تعلق بها من المصالح ، فإن أهل العالم كانوا كالأموات في الليل ، فلما ظهر أثر الصبح في المشرق صار ذلك كالصور الذي ينفخ قوة الحياة ، فصارت الأموات أحياء ، ولا تزال تلك الحياة في الازدياد والقوة والتكامل ، ويكون غاية كمالها وقت الضحوة ، فهذه الحالة تشبه أحوال القيامة ، ووقت الضحى يشبه استقرار أهل الجنة فيها ، وقوله: { والقمر إِذَا تلاها } قال الليل: تلا يتلو إذا تبع شيئًا وفي كون القمر تاليًا وجوه أحدها: بقاء القمر طالعًا عند غروب الشمس ، وذلك إنما يكون في النصف الأول من الشهر إذا غربت الشمس ، فإذا القمر يتبعها في الإضاءة ، وهو قول عطاء عن ابن عباس وثانيها: أن الشمس إذا غربت فالقمر يتبعها ليلة الهلال في الغروب ، وهو قول قتادة والكلبي وثالثها: قال الفراء: المراد من هذا التلو هو أن القمر يأخذ الضوء من الشمس يقال: فلان يتبع فلانًا في كذا أي يأخذ منه ورابعها: قال الزجاج: تلاها حين استدار وكمل ، فكأنه يتلو الشمس في الضياء والنور يعني إذا كمل ضوؤه فصار كالقائم مقام الشمس في الإنارة ، وذلك في الليالي البيض وخامسها: أنه يتلوها في كبر الجرم بحسب الحس ، وفي ارتباط مصالح هذا العالم بحركته ، ولقد ظهر في علم النجوم أن بينهما من المناسبة ما ليس بين الشمس وبين غيرها .