التفسير الثاني لليتيم: أنه من قولهم درة يتيمة ، والمعنى ألم يجدك واحدًا في قريش عديم النظير فآواك؟ أي جعل لك من تأوي إليه وهو أبو طالب ، وقرىء فأوى وهو على معنيين: إما من أواه بمعنى آواه ، وإما من أوى له إذا رحمه ، وههنا سؤالان:
السؤال الأول: كيف يحسن من الجود أن يمن بنعمة ، فيقول: { أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فاوى } ؟ والذي يؤكد هذا السؤال أن الله تعالى حكى عن فرعون أنه قال: { أَلَمْ نُرَبّكَ فِينَا وَلِيدًا } [ الشعراء: 18 ] في معرض الذم لفرعون ، فما كان مذمومًا من فرعون كيف يحسن من الله؟ الجواب: أن ذلك يحسن إذا قصد بذلك أن يقوي قلبه ويعده بدوام النعمة ، وبهذا يظهر الفرق بين هذا الامتنان وبين امتنان فرعون ، لأن امتنان فرعون محبط ، لأن الغرض فما بالك لا تخدمني ، وامتنان الله بزيادة نعمه ، كأنه يقول: مالك تقطع عني رجاءك ألست شرعت في تربيتك ، أتظنني تاركًا لما صنعت ، بل لا بد وأن أتمم عليك وعلى أمتك النعمة ، كما قال: { وَلأُتِمَّ نِعْمَتِى } [ البقرة: 150 ] أما علمت أن الحامل التي تسقط الولد قبل التمام معيبة ترد ، ولو أسقطت أو الرجل أسقط عنها بعلاج تجب الغرة وتستحق الذم ، فكيف يحسن ذلك من الحي القيوم ، فما أعظم الفرق بين مان هو الله ، وبين مان هو فرعون ، ونظيره ما قاله بعضهم: { ثلاثة رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ } [ الكهف: 22 ] في تلك الأمة ، وفي أمة محمد: { مَا يَكُونُ مِن نجوى ثلاثة إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ } [ المجادلة: 7 ] فشتان بين أمة رابعهم كلبهم ، وبين أمة رابعهم ربهم .
السؤال الثاني: أنه تعالى منّ عليه بثلاثة أشياء ، ثم أمره بأن يذكر نعمة ربه ، فما وجه المناسبة بين هذه الأشياء؟ الجواب: وجه المناسبة أن نقول: قضاء الدين واجب ، ثم الدين نوعان مالي وإنعامي والثاني: أقوى وجوبًا ، لأن المالي قد يسقط بالإبراء والثاني: يتأكد بالإبراء ، والمالي يقضي مرة فينجو الإنسان منه والثاني: يجب عليك قضاؤه طول عمرك ، ثم إذا تعذر قضاء النعمة القليلة من منعم هو مملوك ، فكيف حال النعمة العظيمة من المنعم العظيم ، فكأن العبد يقول: إلهي أخرجتني من العدم إلى الوجود بشرًا سويًا ، طاهر الظاهر نجس الباطن ، بشارة منك أن تستر على ذنوبي بستر عفوك ، كما سترت نجاستي بالجلد الظاهر ، فكيف يمكنني قضاء نعمتك التي لا حد لها ولا حصر؟ فيقول تعالى الطريق إلى ذلك أن تفعل في حق عبيدي ما فعلته في حقك ، كنت يتيمًا فآويتك فافعل في حق الأيتام ذلك ، وكنت ضالًا فهديتك فافعل في حق عبيدي ذلك ، وكنت عائلًا فأغنيتك فافعل في حق عبيدي ذلك ثم إن فعلت كل ذلك فاعلم أنك إنما فعلتها بتوفيقي لك ولطفي وإرشادي ، فكن أبدًا ذاكرًا لهذه النعم والألطاف .