وثالثها: أن من كان له أب أو أم كان اعتماده عليهما ، فسلب عنه الولدان حتى لا يعتمد من أول صباه إلى آخر عمره على أحد سوى الله ، فيصير في طفوليته متشبهًا بإبراهيم عليه السلام في قوله: حسبي من سؤالي ، علمه بحالي ، وكجواب مريم: { أنى لَكِ هذا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الله } [ آل عمران: 37 ] . ورابعها: أن العادة جارية بأن اليتيم لا تخفى عيوبه بل تظهر ، وربما زادوا على الموجود فاختار تعالى له اليتيم ، ليتأمل كل أحد في أحواله ، ثم لا يجدوا عليه عيبًا فيتفقون على نزاهته ، فإذا اختاره الله للرسالة لم يجدوا عليه مطعنًا وخامسها: جعله يتيمًا ليعلم كل أحد أن فضيلته من الله ابتداء لأن الذي له أب ، فإن أباه يسعى في تعليمه وتأديبه وسادسها: أن اليتم والفقر نقص في حق الخلق ، فلما صار محمد E ، مع هذين الوصفين أكرم الخلق ، كان ذلك قلبًا للعادة ، فكان من جنس المعجزات .
السؤال الثاني: ما الحكمة في أن الله ذكر هذه الأشياء؟ الجواب: الحكمة أن لا ينسى نفسه فيقع في العجب .
السؤال الثالث: روي عن رسول الله A أنه قال: « سألت ربي مسألة وددت أني لم أسألها ، قلت: اتخذت إبراهيم خليلًا ، وكلمت موسى تكليمًا ، وسخرت مع داود الجبال ، وأعطيت سليمان كذا وكذا ، وأعطيت فلانًا كذا وكذا ، فقال: ألم أجدك يتيمًا فآويتك؟ ألم أجدك ضالاًّ فهديتك؟ ألم أجدك عائلًا فأغنيتك؟ قلت: بلى . فقال: ألم أشرح لك صدرك؟ قلت: بلى ، قال: ألم أرفع لك ذكرك؟ قلت: بلى! قال: ألم أصرف عنك وزرك؟ قلت: بلى ، ألم أوتك مالم أوت نبيًا قبلك وهي خواتيم سورة البقرة؟ أم أتخذك خليلًا كما اتخذت إبراهيم خليلًا؟ » فهل يصح هذا الحديث قلنا: طعن القاضي في هذا الخبر فقال: إن الأنبياء عليهم السلام لا يسألون مثل ذلك إلا عن إذن ، فكيف يصح أن يقع من الرسول مثل هذا السؤال . ويكون منه تعالى ما يجري مجرى المعاتبة .