{ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ } [ الحجر: 97 ] وههنا سؤالات:
الأول: لم ذكر الصدر ولم يذكر القلب؟ والجواب: لأن محل الوسوسة هو الصدر على ما قال: { يُوَسْوِسُ فِى صُدُورِ الناس } [ الناس: 5 ] فإزالة تلك الوسوسة وإبدالها بدواعي الخير هي الشرح ، فلا جرم خص ذلك الشرح بالصدر دون القلب ، وقال محمد بن علي الترمذي: القلب محل العقل والمعرفة ، وهو الذي يقصده الشيطان ، فالشيطان يجيء إلى الصدر الذي هو حصن القلب ، فإذا وجد مسلكًا أغار فيه ونزل جنده فيه ، وبث فيه من الهموم والغموم والحرص فيضيق القلب حيئنذ ولا يجد للطاعة لذة ولا للإسلام حلاوة ، وإذا طرد العدو في الابتداء منع وحصل الأمن ويزول الضيق وينشرح الصدر ويتيسر له القيام بأداء العبودية .
السؤال الثاني: لم قال: { أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ } ولم يقل ألم نشرح صدرك؟ والجواب: من وجهين أحدهما: كأنه تعالى يقول لام بلام ، فأنت إنما تفعل جميع الطاعات لأجلي كما قال: { إلا لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات: 56 ] ، { أَقِمِ الصلاة لِذِكْرِى } [ طه: 14 ] فأنا أيضًا جميع ما أفعله لأجلك وثانيها: أن فيها تنبيهًا على أن منافع الرسالة عائدة إليه عليه السلام ، كأنه تعالى قال: إنما شرحنا صدرك لأجلك لا لأجلي .
السؤال الثالث: لم قال: { أَلَمْ نَشْرَحْ } ولم يقل ألم أشرح؟ والجواب: إن حملناه على نون التعظيم ، فالمعنى أن عظمة المنعم تدل على عظمة النعمة ، فدل ذلك على أن ذلك الشرح نعمة لا تصل العقول إلى كنه جلالتها ، وإن حملناه على نون الجميع ، فالمعنى كأنه تعالى يقول: لم أشرحه وحدي بل أعملت فيه ملائكتي ، فكنت ترى الملائكة حواليك وبين يديك حتى يقوي قلبك ، فأديت الرسالة وأنت قوي القلب ولحقتهم هيبة ، فلم يجيبوا لك جوابًا ، فلو كنت ضيق القلب لضحكوا منك ، فسبحان من جعل قوة قلبك جبنًا فيهم ، وانشراح صدرك ضيقًا فيهم .