فهرس الكتاب

الصفحة 8137 من 8321

وقال تعالى: { الركعون الساجدون الأمرون بالمعروف والناهون عَنِ المنكر والحافظون لِحُدُودِ الله } [ التوبة: 112 ] وهذا وصف لطائفة واحدة ، وفي القرآن من هذا الباب كثير ، وهو أن ينعت قوم بنعوت شتى ، يعطف بعضها على بعض بواو العطف ويكون الكل وصفًا لموصوف واحد .

السؤال الثاني: المجوس هل يدخلون في أهل الكتاب؟ قلنا: ذكر بعض العلماء أنهم داخلون في أهل الكتاب لقوله عليه السلام: « سنوا بهم سنة أهل الكتاب » وأنكره الآخرون قال: لأنه تعالى إنما ذكر من الكفار من كان في بلاد العرب ، وهم اليهود والنصارى ، قال تعالى حكاية عنهم: { أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الكتاب على طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا } [ الأنعام: 156 ] والطائفتان هم اليهود والنصارى .

السؤال الثالث: ما الفائدة في تقديم أهل الكتاب في الكفر على المشركين؟ حيث قال: { لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين } ؟ الجواب: أن الواو لا تفيد الترتيب ، ومع هذا ففيه فوائد أحدها: أن السورة مدنية فكأن أهل الكتاب هم المقصودون بالذكر وثانيها: أنهم كانوا علماء بالكتب فكانت قدرتهم على معرفة صدق محمد أتم ، فكان إصرارهم على الكفر أقبح وثالثها: أنهم لكونهم علماء يقتدي غيرهم بهم فكان كفرهم أصلًا لكفر غيرهم ، فلهذا قدموا في الذكر ورابعها: أنهم لكونهم علماء أشرف من غيرهم فقدموا في الذكر .

السؤال الرابع: لم قال { من أهل الكتاب } ، ولم يقل من اليهود والنصارى؟ الجواب: لأن قوله: { مّنْ أَهْلِ الكتاب } يدل على كونهم علماء ، وذلك يقتضي إما مزيد تعظيم ، فلا جرم ذكروا بهذا اللقب دون اليهود والنصارى ، أو لأن كونه عالمًا يقتضي مزيد قبح في كفره ، فذكروا بهذا الوصف تنبيهًا على تلك الزيادة من العقاب .

المسألة الثانية: هذه الآية فيها أحكام تتعلق بالشرع أحدها: أنه تعالى فسر قوله: { الذين كَفَرُواْ } بأهل الكتاب وبالمشركين ، فهذا يقتضي كون الكل واحدًا في الكفر ، فمن ذلك قال العلماء: الكفر كله ملة واحدة ، فالمشرك يرث اليهودي وبالعكس والثاني: أن العطف أوجب المغايرة ، فلذلك نقول: الذمي ليس بمشرك ، وقال عليه السلام: « غيرنا كحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم » فأثبت التفرقة بين الكتابي والمشرك الثالث: نبه بذكر أهل الكتاب أنه لا يجوز الاغترار بأهل العلم إذ قد حدث في أهل القرآن مثل ما حدث في الأمم الماضية .

المسألة الرابعة: قال القفال: الانفكاك هو انفراج الشيء عن الشيء وأصله من الفك وهو الفتح والزوال ، ومنه فككت الكتاب إذا أزلت ختمه ففتحته ، ومنه فكاك الرهن وهو زوال الإنغلاق الذي كان عليه ألا ترى أن ضد قوله: انفك الرهن ، ومنه فكاك الأسير وفكه ، فثبت أن انفكاك الشيء عن الشيء هو أن يزيله بعد التحامه به ، كالعظم إذا انفك من مفصله ، والمعنى أنهم متشبثون بدينهم تشبثًا قويًا لا يزيلونه إلا عند مجيء البينة ، أما البينة فهي الحجة الظاهرة التي بها يتميز الحق من الباطل فهي من البيان أو البينونة لأنها تبين الحق من الباطل ، وفي المراد من البينة في هذه الآية أقوال:

الأول: أنها هي الرسول ، ثم ذكروا في أنه لم سمي الرسول بالبينة وجوهًا الأول: أن ذاته كانت بينة على نبوته ، وذلك لأنه عليه السلام كان في نهاية الجد في تقرير النبوة والرسالة ، ومن كان كذابًا متصنعًا فإنه لا يتأتى منه ذلك الجد المتناهي ، فلم يبق إلا أن يكون صادقًا أو معتوهًا والثاني: معلوم البطلان لأنه كان في غاية كمال العقل ، فلم يبق إلا أنه كان صادقًا الثالث: أن مجموع الأخلاق الحاصلة فيه كان بالغًا إلى حد كمال الإعجاز ، والجاحظ قرر هذا المعنى ، والغزالي C نصره في كتاب المنقذ ، فإذًا لهذين الوجهين سمي هو في نفسه بأنه بينة الرابع: أن معجزاته E كانت في غاية الظهور وكانت أيضًا في غاية الكثرة فلاجتماع هذين الأمرين جعل كأنه عليه السلام في نفسه بينة وحجة ، ولذلك سماه الله تعالى: سراجًا منيرًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت