فهرس الكتاب

الصفحة 8139 من 8321

أما قوله تعالى: { يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيّمَةٌ } فاعلم أن الصحف جمع صحيفة وهي ظرف للمكتوب ، وفي: المطهرة وجوه: أحدها: مطهرة عن الباطل وهي كقوله: { لاَّ يَأْتِيهِ الباطل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ } [ فصلت: 42 ] وقوله: { مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ } [ عبس: 14 ] ، وثانيها: مطهرة عن الذكر القبيح فإن القرآن يذكر بأحسن الذكر ويثني عليه أحسن الثناء وثالثها: أن يقال: مطهرة أي ينبغي أن لا يمسها إلا المطهرون ، كقوله تعالى: { فِى كتاب مَّكْنُونٍ * لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ المطهرون } [ الواقعة: 78 ، 79 ] .

واعلم أن المطهرة وإن جرت نعتًا للصحف في الظاهر فهي نعت لما في الصحف وهو القرآن وقوله: { كتب } فيه قولان: { أَحَدُهُمَا } المراد من الكتب الآيات المكتوبة في الصحف والثاني: قال صاحب النظم: الكتب قد يكون بمعنى الحكم: { كَتَبَ الله لأَغْلِبَنَّ } [ المجادلة: 21 ] ومنه حديث العسيف: « لأقضين بينكما بكتاب الله » أي بحكم الله فيحتمل أن يكون المراد من قوله: { كُتُبٌ قَيّمَةٌ } أي أحكام قيمة أما القيمة ففيها قولان الأول: قال الزجاج: مستقيمة لا عوج فيها تبين الحق من الباطل من قام يقوم كالسيد والميت ، وهو كقولهم: قام الدليل على كذا إذا ظهر واستقام الثاني: أن تكون القيمة بمعنى القائمة أي هي قائمة مستقلة بالحجة والدلالة ، من قولهم قام فلان بالأمر يقوم به إذا أجراه على وجهه ، ومنه يقال للقائم بأمر القوم القيم ، فإن قيل: كيف نسب تلاوة الصحف المطهرة إلى الرسول مع أنه كان أميًا؟ قلنا: إذا تلا مثلًا المسطور في تلك الصحف كان تاليًا ما فيها وقد جاء في كتاب منسوب إلى جعفر الصادق أنه عليه السلام كان يقرأ من الكتاب ، وإن كان لا يكتب ، ولعل هذا كان من معجزاته A .

وأما قوله تعالى: { وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينة } ففيه مسائل .

المسألة الأولى: في هذه الآية سؤال ، وهو أنه تعالى ذكر في أول السورة ، أهل الكتاب والمشركين ، وههنا ذكر أهل الكتاب فقط ، فما السبب فيه؟ وجوابه: من وجوه أحدها: أن المشركين لم يقروا على دينهم فمن آمن فهو المراد ومن لم يؤمن قتل ، بخلاف أهل الكتاب الذين يقرون على كفرهم ببذل الجزية وثانيها: أن أهل الكتاب كانوا عالمين بنبوة محمد A بسبب أنهم وجدوها في كتبهم ، فإذا وصفوا بالتفرق مع العلم كان من لا كتاب له أدخل في هذا الوصف .

المسألة الثانية: قال الجبائي: هذه الآية تبطل قول القدرية الذين قالوا: إن الناس تفرقوا في الشقاوة والسعادة في أصلاب الآباء قبل أن تأتيهم البينة والجواب: أن هذا ركيك لأن المراد منه أن علم الله بذلك وإرادته له حاصل في الأزل ، أما ظهروه من المكلف فإنما وقع بعد الحالة المخصوصة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت