فهرس الكتاب

الصفحة 8152 من 8321

{ الذى أَحَلَّنَا دَارَ المقامة مِن فَضْلِهِ } [ فاطر: 35 ] والجواب: أما أهل السنة فإنهم يقولون: إنه لو قال الملك الكريم: من حرك أصبعه أعطيته ألف دينار ، فهذا شرط وجزاء بحسب اللغة وبحسب الوضع لا بحسب الاستحقاق الذاتي ، فقوله: { جَزَآؤُهُمْ } يكفي في صدقه هذا المعنى وأما المعتزلة فإنهم قالوا: في قوله تعالى: { الذى أَحَلَّنَا دَارَ المقامة مِن فَضْلِهِ } إن كلمة من لابتداء الغاية ، فالمعنى أن استحقاق هذه الجنان ، إنما حصل بسبب فضلك السابق فإنك لولا أنك خلقتنا وأعطيتنا القدرة والعقل وأزلت الأعذار وأعطيت الألطاف وإلا لما وصلنا إلى هذه الدرجة . فإن قيل: فإذا كان لا حق لأحد عليه في مذهبكم ، فما السبب في التزام مثل هذا الإنعام؟ قلنا: أتسأل عن إنعامه الأمسى حال عدمنا؟ أو عن إنعامه اليومي حال التكليف؟ أو عن إنعامه في غد القيامة؟ فإن سألت عن الأمسي فكأنه يقول: أنا منزه عن الانتفاع والمائدة مملوءة من المنافع فلو لم أخلق الخلق لضاعت هذه المنافع ، فكما أن من له مال ولا عيال له فإنه يشتري العبيد والجواري لينتفعوا بماله ، فهو سبحانه اشترى من دار العدم هذا الخلق لينتفعوا بملكه ، كما روى: «الخلق عيال الله» وأما اليومي فالنعمان يوجب الإتمام بعد الشروع . فالرحمن أولى . وأما الغد فأنا مديونهم بحكم الوعد والإخبار فكيف لا أفي بذلك .

المسألة الرابعة: في قوله: { عِندَ رَبّهِمْ } لطائف:

أحدها: قال بعض الفقهاء: لو قال: لا شيء لي على فلان ، فهذا يختص بالديون وله أن يدعي الوديعة ، ولو قال: لا شيء لي عند فلان انصرف إلى الوديعة دون الدين ، ولو قال: لا شيء لي قبل فلان انصرف إلى الدين والوديعة معًا ، إذا عرفت هذا فقوله: { عِندَ رَبّهِمْ } يفيد أنه وديعة والوديعة عين ، ولو قال: لفلان علي فهو إقرار بالدين ، والعين أشرف من الدين فقوله: { عِندَ رَبّهِمْ } يفيد أنه كالمال المعين الحاضر العتيد ، فإن قيل: الوديعة أمانة وغير مضمونة والدين مضمون والمضمون خير مما كان غير مضمون ، قلنا: المضمون خير إذا تصور الهلاك فيه وهذا في حق الله تعالى محال ، فلا جرم قلنا: الوديعة هناك خير من المضمون .

وثانيها: إذا وقعت الفتنة في البلدة ، فوضعت مالك عند إمام المحلة على سبيل الوديعة صرت فارغ القلب ، فههنا ستقع الفتنة في بلدة بدنك ، وحينئذ تخاف الشيطان من أن يغيروا عليها ، فضع وديعة أمانتك عندي فإني أكتب لك به كتابًا يتلى في المحاريب إلى يوم القيامة وهو قوله: { جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ } حتى أسلمه إليك أحوج ما تكون إليه وهو في عرصة القيامة .

وثالثها: أنه قال: { عِندَ رَبّهِمْ } وفيه بشارة عظيمة ، كأنه تعالى يقول: أنا الذي ربيتك أولًا حين كنت معدومًا صفر اليد من الوجود والحياة والعقل والقدرة ، فخلقتك وأعطيتك كل هذه الأشياء فحين كنت مطلقًا أعطيتك هذه الأشياء ، وما ضيعتك أترى أنك إذا اكتسبت شيئًا وجعلته وديعة عندي فأنا أضيعها ، كلا إن هذا مما لا يكون .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت