فهرس الكتاب

الصفحة 8236 من 8321

ثم شرفه في سورة الهمزة بأن ذكر أن من همز ولمز ، فله ثلاثة أنواع من العذاب أولها: أنه لا ينتفع بدنياه البتة ، وهو قوله: { يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ كَلاَّ } وثانيها: أنه ينبذ في الحطمة ، وثالثها: أنه يغلق عليه تلك الأبواب حتى لا يبقى له رجاء في الخروج ، وهو قوله: { إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ } .

ثم شرف في سورة الفيل بأن رد كيد أعدائه في نحرهم من ثلاثة أوجه أولها: جعل كيدهم في تضليل وثانيها: أرسل عليهم طير أبابيل وثالثها: جعلهم كعصف مأكول .

ثم شرفه في سورة قريش بأنه راعى مصلحة أسلافه من ثلاثة أوجه أولها: جعلهم مؤتلفين متوافقين لإيلاف قريش وثانيها: أطعمهم من جوع وثالثها: أنه آمنهم من خوف .

وشرفه في سورة الماعون ، بأن وصف المكذبين بدينه بثلاثة أنواع من الصفات المذمومة أولها: الدناءة واللؤم ، وهو قوله: { يَدُعُّ اليتيم وَلاَ يَحُضُّ على طَعَامِ المسكين } وثانيها: ترك تعظيم الخالق ، وهو قوله: { عَن صلاتهم سَاهُونَ *الذين هُمْ يُرَاءونَ } وثالثها: ترك انتفاع الخلق ، وهو قوله: { وَيَمْنَعُونَ الماعون } .

ثم إنه سبحانه وتعالى لما شرفه في هذه السور من هذه الوجوه العظيمة ، قال بعدها: { إِنَّا أعطيناك الكوثر } أي إنا أعطيناك هذه المناقب المتكاثرة المذكورة في السوره المتقدمة التي كل واحدة منها أعظم من ملك الدنيا بحذافيرها ، فاشتغل أنت بعبادة هذا الرب ، وبإرشاد عباده إلى ما هو الأصلح لهم ، أما عبادة الرب فإما بالنفس ، وهو قوله: { فَصَلّ لِرَبّكَ } وإما بالمال ، وهو قوله: { وانحر } وأما إرشاد عباده إلى ما هو الأصلح لهم في دينهم ودنياهم ، فهو قوله: { يأَيُّهَا الكافرون لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } فثبت أن هذه السورة كالتتمة لما قبلها من السور ، وأما أنها كالأصل لما بعدها ، فهو أنه تعالى يأمره بعد هذه السورة بأن يكفر جميع أهل الدنيا بقوله: { قُلْ يأَيُّهَا الكافرون لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } ومعلوم أن عسف الناس على مذاهبهم وأديانهم أشد من عسفهم على أرواحهم وأموالهم ، وذلك أنهم يبذلون أموالهم وأرواحهم في نصرة أديانهم ، فلا جرم كان الطعن في مذاهب الناس يثير من العداوة والغضب مالا يثير سائر المطاعن ، فلما أمره بأن يكفر جميع أهل الدنيا ، ويبطل أديانهم لزم أن يصير جميع أهل الدنيا في غاية العداوة له ، وذلك مما يحترف عنه كل أحد من الخلق فلا يكاد يقدم عليه ، وانظر إلى موسى عليه السلام كيف كان يخاف من فرعون وعسكره . وأما ههنا فإن محمدًا عليه السلام لما كان مبعوثًا إلى جميع أهل الدنيا ، كان كل واحد من الخلق ، كفرعون بالنسبة إليه ، فدبر تعالى في إزالة هذا الخوف الشديد تدبيرًا لطيفًا ، وهو أنه قدم على تلك السورة هذه السورة فإن قوله: { إِنَّا أعطيناك الكوثر } يزيل عنه ذلك الخوف من وجوه أحدها: أن قوله: { إِنَّا أعطيناك الكوثر } أي الخير الكثير في الدنيا والدين ، فيكون ذلك وعدًا من الله إياه بالنصرة والحفظ ، وهو كقوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت