فهرس الكتاب

الصفحة 828 من 8321

المسألة الرابعة: قوله: { إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا } يدل على أنه عليه السلام كان معصومًا عن جميع الذنوب لأن الإمام هو الذي يؤتم به ويقتدى ، فلو صدرت المعصية منه لوجب علينا الاقتداء به في ذلك ، فيلزم أن يجب علينا فعل المعصية وذلك محال لأن كونه معصية عبارة عن كونه ممنوعًا من فعله وكونه واجبًا عبارة عن كونه ممنوعًا من تركه والجميع محال .

أما قوله: { مِن ذُرّيَّتِى } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: الذرية: الأولاد وأولاد الأولاد للرجل وهو من ذرأ الله الخلق وتركوا همزها للخفة كما تركوا في البرية وفيه وجه آخر وهوأن تكون منسوبة إلى الذر .

المسألة الثانية: قوله؛ { وَمِن ذُرّيَتِى } عطف على الكاف كأنه قال: وجاعل بعض ذريتي كما يقال لك: سأكرمك ، فتقول: وزيدًا .

المسألة الثالثة: قال بعضهم: إنه تعالى أعلمه أن في ذريته أنبياء فأراد أن يعلم هل يكون ذلك في كلهم أو في بعضهم وهل يصلح جميعهم لهذا الأمر؟ فأعلمه الله تعالى أن فيهم ظالمًا لا يصلح لذلك وقال آخرون: إنه عليه السلام ذكر ذلك على سبيل الاستعلام ولما لم يعلم على وجه المسألة ، فأجابه الله تعالى صريحًا بأن النبوة لا تنال الظالمين منهم ، فإن قيل: هل كان إبراهيم عليه السلام مأذونًا في قوله: { وَمِن ذُرّيَتِى } أو لم يكن مأذونًا فيه؟ فإن أذن الله تعالى في هذا الدعاء فلم رد دعاءه؟ وإن لم يأذن له فيه كان ذلك ذنبًا ، قلنا: قوله: { وَمِن ذُرّيَتِى } يدل على أنه عليه السلام طلب أن يكون بعض ذريته أئمة للناس ، وقد حقق الله تعالى إجابة دعائه في المؤمنين من ذريته كاسماعيل وإسحق ويعقوب ويوسف وموسى وهرون وداود وسليمان وأيوب ويونس وزكريا ويحيى وعيسى وجعل آخرهم محمدًا A من ذريته الذي هو أفضل الأنبياء والأئمة عليهم السلام .

أما قوله تعالى: { قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ حمزة وحفص عن عاصم: { عَهْدِي } بإسكان الياء ، والباقون بفتحها ، وقرأ بعضهم: { لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمون } أي من كان ظالمًا من ذريتك فإنه لا ينال عهدي .

المسألة الثانية: ذكروا في العهد وجوهًا . أحدها: أن هذا العهد هو الإمامة المذكورة فيما قبل ، فإن كان المراد من تلك الإمامة هو النبوة فكذا وإلا فلا . وثانيها: { عَهْدِي } أي رحمتي عن عطاء . وثالثها: طاعتي عن الضحاك . ورابعها: أماني عن أبي عبيد ، والقول الأول أولى لأن قوله: { وَمِن ذُرّيَتِى } طلب لتلك الإمامة التي وعده بها بقوله: { إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا } فقوله: { لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين } لا يكون جوابًا عن ذلك السؤال إلا إذا كان المراد بهذا العهد تلك الإمامة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت