فهرس الكتاب

الصفحة 830 من 8321

{ وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الذين ظَلَمُواْ } [ هود: 113 ] فإنه نهى عن الركون إليهم حال إقامتهم على الظلم ، وقوله: { مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ } [ التوبة: 91 ] معناه: ما أقاموا على الإحسان ، على أنا بينا أن المراد من الإمامة في هذه الآية: النبوة ، فمن كفر بالله طرفة عين فإنه لا يصلح للنبوة .

المسألة الخامسة: قال الجمهور من الفقهاء والمتكلمين: الفاسق حال فسقه لا يجوز عقد الإمامة له ، واختلفوا في أن الفسق الطارىء هل يبطل الإمامة أم لا؟ واحتج الجمهور على أن الفاسق لا يصلح أن تعقد له الإمامة بهذه الآية ، ووجه الاستدلال بها من وجهين . الأول: ما بينا أن قوله: { لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين } جواب لقوله: { وَمِن ذُرّيَتِى } وقوله: { وَمِن ذُرّيَتِى } طلب للإمامة التي ذكرها الله تعالى ، فوجب أن يكون المراد بهذا العهد هو الإمامة ، ليكون الجواب مطابقًا للسؤال ، فتصير الآية كأنه تعالى قال: لا ينال الإمامة الظالمين ، وكل عاص فإنه ظالم لنفسه ، فكانت الآية دالة على ما قلناه ، فإن قيل: ظاهر الآية يقتضي انتفاء كونهم ظالمين ظاهرًا وباطنًا ولا يصح ذلك في الأئمة والقضاة ، قلنا: أما الشيعة فيستدلون بهذه الآية على صحة قولهم في وجوب العصمة ظاهرًا وباطنًا ، وأما نحن فنقول: مقتضى الآية ذلك ، إلا أنا تركنا اعتبار الباطن فتبقى العدالة الظاهرة معتبرة ، فإن قيل: أليس أن يونس عليه السلام قال: { سبحانك إِنّى كُنتُ مِنَ الظالمين } [ الأنبياء: 87 ] وقال آدم: { رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا } [ الأعراف: 23 ] قلنا: المذكور في الآية هو الظلم المطلق ، وهذا غير موجود في آدم ويونس عليهما السلام . الوجه الثاني: أن العهد قد يستعمل في كتاب الله بمعنى الأمر ، قال الله تعالى: { أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يبَنِى آدم أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان } [ ياس: 60 ] يعني ألم آمركم بهذا ، وقال الله تعالى: { قَالُواْ إِنَّ الله عَهِدَ إِلَيْنَا } [ آل عمران: 183 ] يعني أمرنا ، ومنه عهود الخلفاء إلى أمرائهم وقضاتهم إذا ثبت أن عهد الله هو أمره فنقول: لا يخلو قوله؛ { لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين } من أن يريد أن الظالمين غير مأمورين ، وأن الظالمين لا يجوز أن يكونوا بمحل من يقبل منهم أوامر الله تعالى ، ولما بطل الوجه الأول لاتفاق المسلمين على أن أوامر الله تعالى لازمة للظالمين كلزومها لغيرهم ثبت الوجه الآخر ، وهو أنهم غير مؤتمنين على أوامر الله تعالى وغير مقتدى بهم فيها فلا يكونون أئمة في الدين ، فثبت بدلالة الآية بطلان إمامة الفاسق ، قال عليه السلام:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت