القسم الثاني: القادر على تحصيل الظن دون اليقين . واعلم أن لتحصيل هذا الظن طرقًا:
الطريق الأول: الاجتهاد وظاهر قول الشافعي Bه يقتضي أن الاجتهاد يقدم على الرجوع إلى قول الغير وهو الحق ، والذي يدل عليه وجوه . أحدها: قوله تعالى: { فاعتبروا ياأولى الأبصار } [ الحشر: 2 ] أمر بالاعتبار ، والرجل قادر على الاعتبار في هذه الصورة ، فوجب أن يتناوله الأمر . وثانيها: أن ذلك الغير إنما وصل إلى جهة القبلة بالاجتهاد ، لأنه لو عرف القبلة بالتقليد أيضًا لزم إما التسلسل أو الدور وهما باطلان ، فلا بد من الانتهاء آخر الأمر إلى الاجتهاد فيرجع حاصل الكلام إلى أن الاجتهاد أولى أم تقليد صاحب الاجتهاد؟ ولا شك أن الأول أولى لأنه إذا أتى بالاجتهاد فلا يتطرق إليه احتمال الخطأ من جهة واحدة ، فإذا قلد صاحب الاجتهاد فقد تطرق إلى عمله احتمال الخطأ من وجهين ، ولا شك أنه متى وقع التعارض بين طريقين فأقلهما خطأ أولى بالرعاية . وثالثها: قوله عليه السلام:"إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"فههنا أمر بالاستقبال وهو قادر على الاجتهاد في الطلب فوجب أن يجب عليه ذلك .
فإن قيل: أليس أن صاحب «التهذيب» ذكر أنه إذا كان في قرية كبيرة فيها محاريب منصوبة إلى جهة واحدة أو وجد محرابًا أو علامة للقبلة في طريق هي جادة للمسلمين يجب عليه أن يتوجه إليها ولا يجوز له الاجتهاد في الجهة ، قال: لأن هذه العلامات كاليقين ، أما في الانحراف يمنة أو يسرة فيجوز أن يجتهد مع هذه العلامات وكان عبد الله بن المبارك يقول بعد رجوعه من الحج: تياسروا يا أهل مرو وكذلك لو أخبره مسلم بأن قال ، رأيت غالب المسلمين أو جماعة المسلمين اتفقوا على هذه الجهة فعليه قبوله وليس هذا بتقليد ، بل هو قبول الخبر من أهله كما في الوقت ، وهو ما إذا أخبره عدل: إني رأيت الفجر قد طلع أو الشمس قد زالت يجب قبول قوله ، هذا كله لفظ صاحب «التهذيب» ، واعلم أن هذا الكلام مشكل من وجوه . أحدها: أنه لا معنى للتقليد إلا قبول قول الغير من غير حجة ولا شبهة ، فإذا قبلنا قول الغير أو فعله في تعيين القبلة من غير حجة ولا شبهة كان هذا تقليدًا ، ونحن قد ذكرنا الدليل على أن القادر على الاجتهاد لا بد وأن يكون مأمورًا بالاجتهاد . وثانيها: أنه جوز المخالفة في اليمين واليسار بناء على الاجتهاد فنقول: هو قادر على تحصيل الظن بناء على الاجتهاد الذي يتولاه بنفسه ، فوجب أن تجوز له المخالفة كما في اليمين واليسار . وثالثها: إما أن يكون ممنوعًا من الاجتهاد ، أو من العمل بمقتضى الاجتهاد ، والأول باطل ، لأن معاذًا لما قال: اجتهد برأي مدحه الرسول عليه السلام على ذلك ، فدل على أن الاجتهاد غير ممنوع عنه ، والثاني أيضًا باطل لأنه لما علم أو ظن أن القبلة ليست في الجهة التي فيها المحاريب فلو وجب عليه التوجه إلى ذلك المحراب لكان ذلك ترجيحًا للتقليد على الاستدلال وأنه خطأ . ورابعها: أن مذهب الشافعي Bه أنه لا يجوز للمجتهد تقليد المجتهد ، فالقادر على تحصيل جهة القبلة بالامارات كيف يجوز له تقليد محاريب البلاد؟ واحتج القائلون بترجيح محاريب الأمصار على البلاد من وجوه . الأول: أنها كالتواتر مع الاجتهاد ، فوجب رجحانه عليه . والثاني: أن الرجل إذا رأى المؤذن فرغ من الأذان والإقامة وقد تقدم الإمام ، فههنا لا يحتاج إلى تعرف الوقت فكذا ههنا . الثالث: أن أهل البلد رضوا به ، والظاهر أنه لو كان خطأ لتنبهوا له ، ولو تنبهوا له لما رضوا به ، فهذا ما يمكن أن يقال في الجانبين .