الطريق الرابع: ما يتركب من الاجتهاد وقول الغير ، وهو أن يخبره إنسان بمواقع الكواكب وكان هو عالمًا بالاستدلال بها على القبلة ، فههنا يجب عليه الاستدلال بما يسمع إذا كان عاجزًا عن رؤيتها بنفسه .
القسم الثالث: الذي عجز عن تحصيل العلم والظن ، وهو الكائن في الظلمة التي خفيت الأمارات بأسرها عليه أو الأعمى الذي لا يجد من يخبره ، أو تعارضت الأمارات لديه وعجز عن الترجيح ، وفيه أبحاث:
البحث الأول: أن هذا الشخص يستحيل أن يكون مأمورًا بالاجتهاد ، لأن الاجتهاد من غير دلالة ولا أمارة تكليف ما لا يطاق وهو منفي ، فلم يبق إلا أحد أمور ثلاثة: إما أن يقال التكاليف بالصلاة مشروط بالاستقبال ، وتعذر الشرط يوجب سقوط التكليف بالمشروط ، فههنا لا تجب عليه الصلاة ، أو يقال: شرط الاستقبال قد سقط عن المكلف بعذر أقل من هذا ، وهو حال المسابقة فيسقط ههنا أيضًا ، فيجب عليه أن يأتي بالصلاة إلى أي جهة شاء ، ويسقط عنه شرط الاستقبال ، أو يقال: إنه يأتي بتلك الصلاة إلى جميع الجهات ليخرج عن العهدة بيقين ، فهذه هي الوجوه الممكنة ، أما سقوط الصلاة عنه فذلك باطل بالإجماع ، وأيضًا فلأنا رأينا في الشرع في الجملة أن الصلاة صحت بدون الاستقبال كما في حال المسايفة وفي النافلة ، وأما إيجاب الصلاة إلى جميع الجهات فهو أيضًا باطل لقيام الدلالة على أن الواجب عليه صلاة واحدة ، ولقائل أن يقول: أليس أن من نسي صلاة من صلوات يوم وليلة ولا يدري عينها فإنها يجب عليه قضاء تلك الصلوات بأسرها ليخرج عن العهدة باليقين ، فلم لا يجوز أن يكون الأمر ههنا كذلك؟ قالوا: ولما بطل القسمان تعين الثالث وهو التخيير في جميع الجهات .
البحث الثاني: أنه إذا مال قلبه إلى أن هذه الجهة أولى بأن تكون قبلة من سائر الجهات ، من غير أن يكون ذلك الترجيح مبنيًا على استدلال ، بل يحصل ذلك بمجرد التشهي وميل القلب إليه فهل يعد هذا اجتهادًا ، وهل المكلف مكلف بأن يعول عليه أم لا؟ الأولى أن يكون ذلك معتبرًا لقوله عليه السلام: « المؤمن ينظر بنور الله » ولأن سائر وجوه الترجيح لما انسدت وجب الاكتفاء بهذا القدر .
البحث الثالث: إذا أدى هذه الصلاة فالظاهر يقتضي أن لا يجب القضاء ، لأنه أدى وظيفة الوقت وقد صحت منه ، فوجب أن لا تجب عليه الإعادة ، وظاهر قول الشافعي Bه أنه تجب الإعادة سواء بأن صوابه أو خطؤه .
المسألة السابعة؛ تجوز الصلاة في جوف الكعبة عند عامة أهل العلم ، ويتوجه إلى أي جانب شاء وقال مالك: يكره أن يصلى في الكعبة المكتوبة لأن من كان داخل الكعبة لا يكون متوجهًا إلى كل الكعبة ، بل يكون متوجهًا إلى بعض أجزائها ، ومستدبرًا عن بعض أجزائها ، وإذا كان كذلك لم يكن مستقبلًا لكل الكعبة فوجب أن لا تصح صلاته لأن الله تعالى أمر باستقبال البيت قال: وأما النافلة فجائزة ، لأن استقبال القبلة فيها غير واجب ، حجة الجمهور ما أخرجه الشيخان في الصحيحين ، ورواه الشافعي Bه أيضًا عن مالك عن نافع عن ابن عمر ، أنه E دخل الكعبة هو وأسامة بن زيد ، وعثمان بن أبي طلحة وبلال فأغلقها عليه ومكث فيها ، قال عبد الله بن عمر: فسألت بلالًا حين خرج: ماذا صنع رسول الله A ؟ فقال: جعل عمودًا عن يساره ، وعمودين عن يمينه ، وثلاثة أعمدة وراءه ، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة ، ثم صلى ، واعلم أن الاستدلال بهذا الخبر ضعيف من وجوه . أحدها: أن خبر الواحد لا يعارض ظاهر القرآن . وثانيها: لعل تلك الصلاة كانت نافلة ، وذلك عند مالك جائز . وثالثها: أن مالكًا خالف هذا الخبر ومخالفة الراوي وإن كانت لا توجب الطعن في الخبر إلا أنها تفيد نوع مرجوحية بالنسبة إلى خبر واحد خلى عن هذا الطعن ، فكيف بالنسبة إلى القرآن . ورابعها: أن الشيخين أوردا في الصحيحين عن ابن جُريج عن عطاء: سمعت ابن عباس قال: لما دخل النبي A البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل حتى خرج منه ، فلما خرج ركع ركعتين في قبل الكعبة وقال: