{ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنّى إله مّن دُونِهِ فذلك نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ } [ الأنبياء: 29 ] مع أنه تعالى أخبر عن عصمتهم في قوله: { يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [ النمل: 50 ] وقال في حق محمد A: { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } [ الزمر: 65 ] وقد أجمعوا على أنه E ما أشرك وما مال إليه ، وقال: { ياأيها النبى اتق الله وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين } [ الأحزاب: 1 ] وقال تعالى: { وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ } [ القلم: 9 ] وقال: { بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ } [ المائدة: 67 ] وقوله: { وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين } [ الأنعام: 14 ] فثبت بما ذكرنا أنه E منهي عن ذلك ، وأن غيره أيضًا منهي عنه لأن النهي عن هذه الأشياء ليس من خواص الرسول E بقي أن يقال: فلم خصه بالنهي دون غيره؟ فنقول فيه وجوه ، أحدها: أن كل من كان نعم الله عليه أكثر ، كان صدور الذنب منه أقبح ، ولا شك أن نعم الله تعالى على الرسول E أكثر فكان حصول الذنب منه أقبح فكان أولى بالتخصيص . وثانيها: أن مزيد الحب يقتضي التخصيص بمزيد التحذير . وثالثها: أن الرجل الحازم إذا أقبل على أكبر أولاده وأصلحهم فزجره عن أمر بحضرة جماعة أولاده فإنه يكون منبهًا بذلك على عظم ذلك الفعل إن اختاروه وارتكبوه وفي عادة الناس أن يوجهوا أمرهم ونهيهم إلى من هو أعظم درجة تنبيهًا للغير أو توكيدًا ، فهذه قاعدة مقررة في أمثال هذه الآية .
القول الثاني: أن قوله: { وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءَهُم } ليس المراد منه أن اتبع أهواءهم في كل الأمور فلعله E كان في بعض الأمور يتبع أهواءهم ، مثل ترك المخاشنة في القول والغلظة في الكلام ، طمعًا منه E في استمالتهم ، فنهاه الله تعالى عن ذلك القدر أيضًا وآيسه منهم بالكلية على ما قال: { وَلَوْلاَ أَن ثبتناك لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا } [ الإسراء: 74 ] .
القول الثالث: إن ظاهر الخطاب وإن كان مع الرسول إلا أن المراد منه غيره ، وهذا كما أنك إذا عاتبت إنسانًا أساء عبده إلى عبدك فتقول له: لو فعلت مرة أخرى مثل هذا الفعل لعاقبتك عليه عقابًا شديدًا ، فكان الغرض منه لا يميل إلى مخاطبتهم ومتابعتهم أحد من الأمة .
أما قوله تعالى: { مّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العلم } فيه مسألتان: