المسألة الخامسة: ذكر القفال في لفظ الحج أقوالًا . الأول: الحج في اللغة كثرة الاختلاف إلى شيء والتردد إليه ، فمن زار البيت للحج فإنه يأتيه أولًا ليعرفه ثم يعود إليه للطواف ثم ينصرف إلى منى ثم يعود إليه لطواف الزيارة ثم يعود إليه لطواف الصدر . الثاني: قال قطرب: الحج الحلق يقال: احجج شجتك ، وذلك أن يقطع الشعر من نواحي الشجة ليدخل المحجاج في الشجة ، فيكون المعنى: حج فلان أي حلق ، قال القفال وهذا محتمل لقوله تعالى: { لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام إِن شَاء الله ءامِنِينَ مُحَلّقِينَ رُءوسَكُمْ وَمُقَصّرِينَ } [ الفتح: 27 ] أي حجاجًا وعُمّارًا ، فعبر عن ذلك بالحلق فلا يبعد أن يكون الحج مسمى بهذا الاسم لمعنى الحلق . الثالث: قال قوم الحج القصد ، يقال: رجل محجوج ، ومكان محجوج إذا كان مقصودًا ، ومن ذلك محجة الطريق ، فكان البيت لما كان مقصودًا بهذا النوع من العبادة سمي ذلك الفعل حجًا ، قال القفال: والقول الأول أشبه بالصواب لأن قولهم رجل محجوج إنما هو فيمن يختلف إليه مرة بعد أخرى ، وكذلك محجة الطريق هو الذي كثر السير إليه .
وأما العمرة فقال أهل اللغة: الاعتمار هو القصد والزيارة ، قال الأعشى:
وجاشت النفس لما جاء جمعهم ... وراكب جاء من تثليث معتمر
وقال قطرب: العمرة في كلام عبد القيس: المسجد ، والبيعة ، والكنيسة ، قال القفال: ولا شبهة في العمرة إذا أضيفت إلى البيت أن تكون بمعنى الزيارة ، لأن المعتمر يطوف بالبيت وبالصفا والمروة ، ثم ينصرف كالزائر ، وأما الجناح فهو من قولهم: جنح إلى كذا أي مال إليه ، قال الله تعالى: { وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا } [ الأنفال: 61 ] وجنحت السفينة إذا لزمت الماء فلم تمض ، وجنح الرجل في الشيء يعلمه بيده إذا مال إليه بصدره وقيل للأضلاع: جوانح لاعوجاجها ، وجناح الطائر من هذا ، لأنه يميل في أحد شقيه ولا يطير على مستوى خلقته فثبت أن أصله من الميل ، ثم من الناس من قال إنه بقي في عرف القرآن كذلك أيضًا فمعنى: لا جناح عليه أينما ذكر في القرآن: لا ميل لأحد عليه بمطالبة شيء من الأشياء ، ومنهم من قال: بل هو مختص بالميل إلى الباطل وإلى ما يأثم به .
وقوله: { أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا } أي يتطوف فأدغمت التاء في الطاء كما قال: { ياأيها المدثر } [ المدثر: 1 ] ، { ياأيها المزمل } [ المزمل: 1 ] أي المتدثر والمتزمل ، ويقال: طاف وأطاف بمعنى واحد .
المسألة السادسة: ظاهر قوله تعالى: { لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ } أنه لا إثم عليه ، والذي يصدق عليه أنه لا إثم في فعله يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح ، ثم يمتاز كل واحد من هذه الثلاثة عن الآخر بقيد زائد ، فإذن ظاهر هذه الآية لا يدل على أن السعي بين الصفا والمروة واجب ، أو ليس بواجب ، لأن اللفظ الدال على القدر المشترك بين الأقسام لا دلالة فيه البتة على خصوصية من الرجوع إلى دليل آخر ، إذا عرفت هذا فنقول: مذهب الشافعي C أن هذا السعي ركن ، ولا يقوم الدم مقامه ، وعند أبي حنيفة C أنه ليس بركن ، ويقوم الدم مقامه ، وروي عن ابن الزبير ومجاهد وعطاء ، أن من تركه فلا شيء عليه ، حجة الشافعي Bه من وجوه . أحدها: ما روي عن النبي A أنه قال: