فهرس الكتاب

الصفحة 963 من 8321

{ إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ الله مِنَ الكتاب وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيًلا } [ البقرة: 174 ] وظاهر ذلك بمنع أخذ الأجرة على الإظهار وعلى الكتمان جميعًا لأن قوله: { وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيًلا } [ البقرة: 174 ] مانع أخذ البدل عليه من جميع الوجوه .

أما قوله تعالى: { مِن بَعْدِ مَا بيناه لِلنَّاسِ فِي الكتاب } قيل في التوراة والإنجيل من صفة محمد A ، ومن الأحكام ، وقيل: أراد بالمنزل الأول ما في كتب المتقدمين ، والثاني: ما في القرآن .

أما قوله تعالى: { أولئك يَلْعَنُهُمُ الله } فاللعنة في أصل اللغة هي الإبعاد وفي عرف الشرع الإبعاد من الثواب .

أما قوله تعالى: { وَيَلْعَنُهُمُ اللاعنون } فيجب أن يحمل على من للعنة تأثير ، وقد اتفقوا على أن الملائكة والأنبياء والصالحين كذلك فهم داخلون تحت هذا العموم لا محالة ، ويؤكده قوله تعالى: { إِن الذين كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ أولئك عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ الله والملائكة والناس أَجْمَعِينَ } [ البقرة: 161 ] والناس ذكروا وجوهًا أخر . أحدها: أن اللاعنين هم دواب الأرض وهوامها ، فإنها تقول: منعنا القطر بمعاصي بني آدم عن مجاهد وعكرمة وإنما قال: { اللاعنون } ولم يقل اللاعنات لأنه تعالى وصفها بصفة من يعقل فجمعها جمع من يعقل كقوله: { والشمس والقمر رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ } [ يوسف: 4 ] و { ياأيها النمل ادخلوا مساكنكم } [ النمل: 18 ] و { قَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا } [ فصلت: 21 ] ، { وَكُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } [ الأنبياء: 33 ] . وثانيها: كل شيء سوى الثقلين الجن والإنس ، فإن قيل: كيف يصح اللعن من البهائم والجمادات؟ قلنا: على وجهين: الأول: على سبيل المبالغة ، وهو أنها لو كانت عاقلة لكانت تلعنهم . الثاني: أنها في الآخرة إذا أعيدت وجعلت من العقلاء فإنها تلعن من فعل ذلك في الدنيا ومات عليه . وثالثها: أن أهل النار يلعنونهم أيضًا حيث كتموهم الدين ، فهو على العموم . ورابعها: قال ابن مسعود: إذا تلاعن المتلاعنان وقعت اللعنة على المستحق ، فإن لم يكن مستحق رجعت على اليهود الذين كتموا ما أنزل الله سبحانه وتعالى . وخامسها: عن ابن عباس: إن لهم لعنتين: لعنة الله . ولعنة الخلائق . قال: وذلك إذا وضع الرجل في قبره فيسأل: ما دينك؟ ومن نبيك؟ ومن ربك؟ فيقول: ما أدري فيضرب ضربة يسمعها كل شيء إلا الثقلين الإنس والجن ، فلا يسمع شيء صوته إلا لعنه ، ويقول له الملك: لا دريت ولا تليت ، كذلك كنت في الدنيا . وسادسها: قال أبو مسلم: ( اللاعنون ) هم الذين آمنوا به ، ومعنى اللعن منهم: مباعدة الملعون ومشاقته ومخالفته مع السخط عليه والبراءة منه . قال القاضي: دلت الآية على أن هذا الكتمان من الكبائر لأنه تعالى أوجب فيه اللعن ، ويدل على أن أحدًا من الأنبياء لم يكتم ما حمل من الرسالة وإلا كان داخلًا في الآية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت