المسألة السادسة: القائلون بأن الكفر من الأسماء الشرعية ، وما بقي على الوضع الأصلي وهم المعتزلة احتجوا بقوله تعالى: { وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ } والله تعالى وصفهم حال موتهم بأنهم كفار ومعلوم أن الكفر بمعنى الستر والتغطية ، لا يبقى فيهم حال الموت ، لأن التغطية لا تحصل إلا في حق الحي الفاهم .
المسألة السابعة؛ الآية تدل على جواز التخصيص مع التوكيد ، لأنه تعالى قال: { والناس أَجْمَعِينَ } مع أنه مخصوص على مذهب من قال: المراد بالناس بعضهم .
وأما قوله تعالى: { خالدين فِيهَا } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: الخلود اللزوم الطويل ، ومنه يقال: أخلد إلى كذا أي لزمه وركن إليه .
المسألة الثانية: العامل في ( خالدين ) الظرف من قوله ( عليهم ) لأن فيه معنى الإستقرار للعنة فهو حال من الهاء والميم في عليهم كقولك: عليهم المال صاغرين .
المسألة الثالثة: { خالدين فِيهَا } أي في اللعنة ، وقيل في النار إلا أنها أضمرت تفخيمًا لشأنها وتهويلًا كما في قوله تعالى: { إِنَّا أنزلناه فِى لَيْلَةِ القدر } [ القدر: 1 ] والأول أولى لوجوه . الأول: أن الضمير إذا وجد له مذكور متقدم فرده إليه أولى من رده إلى ما لم يذكر . الثاني: أن حمل هذا الضمير على اللعنة أكثر فائدة من حمله على النار ، لأن اللعنة هو الإبعاد من الثواب بفعل العقاب في الآخرة وإيجاده في الدنيا فكان اللعن يدخل فيه النار وزيادة فكان حمل اللفظ عليه أولى . الثالث: أن قوله: { خالدين فِيهَا } إخبار عن الحال ، وفي حمل الضمير على اللعن يكون ذلك حاصلًا في الحال ، وفي حمله على النار لا يكون حاصلًا في الحال ، بل لا بد من التأويل؛ فكان ذلك أولى ، واعلم أنه تعالى وصف هذا العذاب بأمور ثلاثة . أحدها: الخلود وهو المكث الطويل عندنا ، والمكث الدائم عند المعتزلة ، على ما تقدم القول فيه في تفسير قوله تعالى: { بلى مَن كَسَبَ سَيّئَةً وأحاطت بِهِ خَطِيئَتُهُ فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } [ البقرة: 81 ] . وثانيها: عدم التخفيف ، ومعناه أن الذي ينالهم من عذاب الله فهو متشابه في الأوقات كلها ، لا يصير بعض الأوقات أقل من بعض ، فإن قيل: هذا التشابه ممتنع لوجوه . الأول: أنه إذا تصور حال غيره في شدة كالعقاب ، كان ذلك كالتخفيف منه . الثاني: أنه تعالى يوفر عليهم ما فات وقته من العذاب ثم تنقطع تلك الزيادة فيكون ذلك تخفيفًا الثالث: أنهم حيثما يخاطبون بقوله: { اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ } لا شك أنه يزداد غمهم في ذلك الوقت . ( أجابوا عنه ) بأن التفاوت في هذه الأمور القليلة ، فالمستغرق بالعذاب الشديد لا ينتبه لهذا القدر القليل من التفاوت ، قالوا: ولما دلت الآية على أن هذا العقاب متشابه ، وجب أن يكون دائمًا لأنهم لو جوزوا انقطاع ذلك مما يخفف عنهم إذا تصوروه ، وبيان ذلك أن الواقع في محنة عظيمة في الدنيا إذا بشر بالخلاص بعد أيام فإنه يفرح ويسر ويسهل عليه موقع محنته وكلما كانت محنته أعظم ، كان ما يلحقه من الروح والتخفيف بتصور الإنقطاع أكثر .