فهرس الكتاب

الصفحة 997 من 8321

[ البقرة: 164 ] .

واعلم أن دلالته على الصانع من وجوه . أحدها: أن تلك الأجسام ، وما قام بها من صفات الرقة ، والرطوبة ، والعذوبة ، ولا يقدر أحد على خلقها إلا الله تعالى ، قال سبحانه: { قُلْ أَرَءيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَّعِينٍ } [ الملك: 30 ] . وثانيها: أنه تعالى جعله سببًا لحياة الإنسان ، ولأكثر منافعه قال تعالى: { أَفَرَءيْتُمُ الماء الذى تَشْرَبُونَ * أأنتم أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ المزن أَمْ نَحْنُ المنزلون } [ الواقعة: 68 ، 69 ] وقال: { وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَىْء حَىّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ } [ الأنبياء: 30 ] . وثالثها: أنه تعالى كما جعله سببًا لحياة الإنسان ، جعله سببًا لرزقه قال تعالى: { وَفِى السماء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ } [ الذاريات: 22 ] . ورابعها: أن السحاب مع ما فيه من المياه العظيمة ، التي تسيل منها الأودية العظام تبقى معلقة في جو السماء وذلك من الآيات العظام . وخامسها: أن نزولها عند التضرع واحتياج الخلق إليه مقدرًا بمقدار النفع من الآيات العظام ، قال تعالى حكاية عن نوح: { فَقُلْتُ استغفروا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السماء عَلَيْكُمْ مُّدْرَارًا } [ نوح: 10 ، 11 ] . وسادسها: ما قال: { فَسُقْنَاهُ إلى بَلَدٍ مَّيّتٍ } [ فاطر: 9 ] وقال: { وَتَرَى الأرض هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الماء اهتزت وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } [ الحج: 5 ] فإن قيل: أفتقولون: إن الماء ينزل من السماء على الحقيقة أو من السحاب أو تجوزون ما قاله بعضهم من أن الشمس تؤثر في الأرض فيخرج منها أبخرة متصاعدة فإذا وصلت إلى الجو البارد بردت فثقلت فنزلت من فضاء المحيط إلى ضيق المركز ، فاتصلت فتولدت من اتصال بعض تلك الذرات بالبعض قطرات هي قطرات المطر .

قلنا: بل نقول إنه ينزل من السماء كما ذكره الله تعالى وهو الصادق في خبره ، وإذا كان قادرًا على إمساك الماء في السحاب ، فأي بعد في أن يمسكه في السماء ، فأما قول من يقول: إنه من بحار الأرض فهذا ممكن في نفسه ، لكن القطع به لا يمكن إلا بعد القول بنفي الفاعل المختار ، وقدم العالم ، وذلك كفر ، لأنا متى جوزنا الفاعل المختار القادر على خلق الجسم ، فكيف يمكننا مع إمكان هذا القسم أن نقطع بما قالوه .

أما قوله: { فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا } [ الجاثية: 5 ] فاعلم أن هذه الحياة من جهات . أحدها: ظهور النبات الذي هو الكلأ والعشب وما شاكلهما ، مما لولاه لما عاشت دواب الأرض . وثانيها: أنه لولاه لما حصلت الأقوات للعباد . وثالثها: أنه تعالى ينبت كل شيء بقدر الحاجة ، لأنه تعالى ضمن أرزاق الحيوانات ، بقوله: { وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأرض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا } [ هود: 6 ] . ورابعها: أنه يوجد فيه من الألوان والطعوم والروائح وما يصلح للملابس ، لأن ذلك كله مما لا يقدر عليه إلا الله . وخامسها: يحصل للأرض بسبب النبات حسن ونضرة ورواء ورونق فذلك هو الحياة .

واعلم أن وصفه تعالى ذلك بالإحياء بعد الموت مجاز ، لأن الحياة لا تصح إلى على من يدرك ويصح أن يعلم ، وكذلك الموت ، إلا أن الجسم إذا صار حيًا حصل فيه أنواع من الحسن والنضرة والبهاء ، والنشور والنماء ، فأطلق لفظ الحياة على حصول هذه الأشياء ، وهذا من فصيح الكلام الذي على اختصاره يجمع المعاني الكثيرة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت