{ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخُرُونَ } [ الصافات: 12 ] بضم التاء من عجبت ، فإنه رأى أن خفاء شيء ما على الله محال قال النخعي: معنى التعجب في حق الله تعالى مجرد الاستعظام ، وإن كان في حق العباد لا بد مع الاستعظام من خفاء السبب كما أنه يجوز إضافة السخرية والاستهزاء والمكر إلى الله تعالى ، لا بالمعني الذي يضاف إلى العباد .
البحث الثاني: اعلم أن للتعجب صيغتين أحدهما: ما أفعله كقوله تعالى: { فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار } والثاني: أفعل به كقوله: { أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ } [ مريم: 38 ] .
أما العبارة الأولى: وهي قولهم؛ ما أصبره ففيها مذاهب .
القول الأول: وهو اختيار البصريين أن { مَا } اسم مبهم يرتفع بالابتداء ، وأحسن فعل وهو خبر المبتدأ وزيدًا مفعول وتقديره: شيء حسن زيدا أي صيره حسنًا .
واعلم أن هذا القول عند الكوفيين فاسدًا واحتجوا عليه بوجوه الأول: أنه يصح أن يقال ما أكرم الله ، وما أعظمه وما أعلمه ، وكذا القول في سائر صفاته ويستحيل أن يقال: شيء جعل الله كريما وعظيمًا وعالمًا ، لأن صفات الله سبحانه وتعالى واجبة لذاته فإن قيل . هذه اللفظة إذا أطلقت فيما يجوز عليه الحدوث كان المراد منه الاستعظام مع خفاء سببه وإذا أطلقت على الله تعالى كان المراد منه أحد شطريه وهو الاستعظام فحسب ، قلنا: إذا قلنا ما أعظم الله فكلمة { مَا } ههنا ليست بمعنى شيء فلا تكون مبتدأ ، ولا يكون أعظم خبرًا عنه ، فلا بد من صرفه إلى وجه آخر ، وإذا كان كذلك ثبت أن تفسير هذه الآية بهذه الأشياء في مقام التعجب غير صحيح .
الحجة الثانية: أنه لو كان معنى قولنا . ما أحسن زيدًا شيء حسن زيدًا ، لوجب أن يبقى معنى التعجب إذا صرحنا بهذا الكلام ، ومعلوم أنا إذا قلنا: شيء حسن زيدًا فإنه لا يبقى فيه معنى التعجب ألبتة ، بل كان ذلك كالهذيان ، فعلمنا أنه لا يجوز تفسير قولنا: ما أحسن زيدًا بقولنا شيء حسن زيدًا .
الحجة الثالثة: أن الذي حسن زيدًا والشمس والقمر والعالم هو الله سبحانه وتعالى ولا يجوز التعبير عنه بما وإن جاز ذلك لكن التعبير عنه سبحانه بمن أولى ، فكان ينبغي أنا لو قلنا من أحسن زيدًا أن يبقى معنى التعجب ، ولما لم يبق علمنا فساد ما قالوه .
الحجة الرابعة: أن على التفسير الذي قالوا لا فرق بين قوله: ما أحسن زيدًا وبين قوله زيدًا ضرب عمرا فكما أن هذا ليس بتعجب وجب أن يكون الأول كذلك .
الحجة الخامسة: أن كل صفة ثبتت للشيء فثبوتها له إما أن يكون له من نفسه أو من غيره فإذا كان المؤثر في تلك الصفة نفسه أو غيره وعلى التقديرين فشيء صيره حسنًا ، إما أن يكون ذلك الشيء هو نفسه أو غيره ، فإذن العلم بأن شيئًا صيره حسنًا علم ضروري والعلم بكونه متعجبًا منه غير ضروري ، فاذن لا يجوز تفسير قولنا: ما أحسن زيدًا بقولنا شيء حسن زيدًا .