المسألة الثالثة: قرأ حمزة وحفص عن عاصم { لَّيْسَ البر } بنصب الراء ، والباقون بالرفع ، قال الواحدي: وكلا القراءتين حسن لأن اسم { لَّيْسَ } وخبرها اجتمعا في التعريف فاستويا في كون كل واحد منهما اسمًا ، والآخر خبرًا ، وحجة من رفع { البر } أن اسم { لَّيْسَ } مشبه بالفاعل ، وخبرها بالمفعول ، والفاعل بأن يلي الفعل أولى من المفعول ، ومن نصب { البر } ذهب إلى أن بعض النحويين قال: { أن } مع صلتها أولى أن تكون اسم { لَّيْسَ } لشبهها بالمضمر في أنها لا توصف كما لا يوصف المضمر ، فكان ههنا اجتمع مضمر ومظهر ، والأولى إذا اجتمعا أن يكون المضمر الإسم من حيث كان أذهب في الاختصاص من المظهر ، وعلى هذا قرىء في التنزيل قوله: { كَانَ عاقبتهما أَنَّهُمَا فِى النار } [ الحشر: 12 ] وقوله: { مَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَن قَالُواْ } [ الأعراف: 82 ] { وَمَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ } [ الجاثية: 25 ] والاختيار رفع البر لأنه روي عن ابن مسعور أنه قرأ: { لَّيْسَ البر بِأَنَّ } والباء تدخل في خبر ليس .
المسألة الرابعة: البر اسم جامع للطاعات ، وأعمال الخير المقربة إلى الله تعالى ، ومن هذا بر الوالدين ، قال تعالى: { إِنَّ الأبرار لَفِى نَعِيمٍ * وَإِنَّ الفجار لَفِى جَحِيمٍ } [ الإنفطار: 13 14 ] فجعل البر ضد الفجور وقال: { وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البر والتقوى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإثم والعدوان } [ المائدة: 2 ] فجعل البر ضد الإثم فدل على أنه اسم عام لجميع ما يؤجر عليه الإنسان وأصله من الاتساع ومنه البر الذي هو خلاف البحر لاتساعه .
المسألة الخامسة: قال القفال: قد قيل في نزول هذه الآية أقوال ، والذي عندنا أنه أشار إلى السفهاء الذين طعنوا في المسلمين وقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها مع أن اليهود كانوا يستقبلون المغرب ، والنصارى كانوا يستقبلون المشرق ، فقال الله تعالى: إن صفة البر لا تحصل بمجرد استقبال المشرق والمغرب ، بل البر لا يحصل إلا عند مجموع أمور أحدها: الإيمان بالله وأهل الكتاب أخلوا بذلك ، أما اليهود فقولهم: بالتجسيم ولقولهم: بأن عزيرًا ابن الله ، وأما النصارى ، فقولهم: المسيح ابن الله ، ولأن اليهود وصفوا الله تعالى بالبخل ، على ما حكى الله تعالى ذلك عنهم بقوله: { قَالُواْ إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء } [ آل عمران: 181 ] وثانيها: الإيمان باليوم الآخر واليهود أخلوا بهذا الإيمان حيث قالوا: { وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى } [ البقرة: 111 ] وقالوا: { لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } [ البقرة: 80 ] والنصارى أنكروا المعاد الجسماني ، وكل ذلك تكذيب باليوم الآخر وثالثها: الإيمان بالملائكة ، واليهود أخلوا ذلك حيث أظهروا عداوة جبرل عليه السلام ورابعها: الإيمان بكتب الله ، واليهود والنصارى قد أخلوا بذلك ، لأن مع قيام الدلالة على أن القرآن كتاب الله ردوه ولم يقبلوه قال تعالى: