واعلم أن الناس اختلفوا في هذه الوصية ، منهم من قال: كانت واجبة ومنهم من قال: كانت ندبًا واحتج الأولون بقوله: { كتب } وبقوله: { عَلَيْكُمْ } وكلا اللفظين ينبىء عن الوجوب ، ثم إنه تعالى أكد ذلك الإيجاب بقوله: { حَقّا عَلَى المتقين } وهؤلاء اختلفوا منهم من قال هذه الآية صارت منسوخة ، ومنهم من قال إنها ما صارت منسوخة ، وهذا اختيار أبي مسلم الأصفهاني ، وتقرير قوله من وجوه أحدها: أن هذه الآية ما هي مخالفة لآية المواريث ومعناها كتب عليكم ما أوصى به الله تعالى من توريث الوالدين والأقربين من قوله تعالى: { يُوصِيكُمُ الله فِى أولادكم } [ النساء: 11 ] أو كتب على المختصر أن يوصي للوالدين والأقربين بتوفير ما أوصى به الله لهم عليهم وأن لا ينقص من أنصباتهم وثانيها: أنه لا منافاة بين ثبوت الميراث للاقرباء مع ثبوت الوصية بالميراث عطية من الله تعالى والوصية عطية ممن حضره الموت ، فالوارث جمع له بين الوصية والميراث بحكم الآيتين وثالثها: لو قدرنا حصول المنافاة لكان يمكن جعل آية الميراث مخصصة لهذه الآية وذلك لأن هذه الآية توجب الوصية للأقربين ، ثم آية الميراث تخرج القريب الوارث ويبقى القريب الذي لا يكون وارثًا داخلًا تحت هذه الآية ، وذلك لأن من الوالدين من يرث ، ومنهم من لا يرث ، وذلك بسبب اختلاف الدين والرق والقتل ومن الأقارب الذين لا يسقطون في فريضة من لا يرث بهذه الأسباب الحاجبة ومنهم من يسقط / في حال ويثبت في حال ، إذا كان في الواقعة من هو أولى بالميراث منهم ، ومنهم من يسقط في كل حال إذا كانوا ذوي رحم فكل من كان من هؤلاء وارثًا لم يجز الوصية له ، ومن لم يكن وارثًا جازت الوصية له لأجل صلة الرحم ، فقد أكد الله تعالى ذلك بقوله: { واتقوا الله الذى تَسَاءَلُونَ بِهِ والأرحام } [ النساء: 1 ] وبقوله: { إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان وَإِيتَآءِ ذِى القربى } [ النحل: 90 ] فهذا تقرير مذهب أبي مسلم في هذا الباب . أما القائلون بأن الآية منسوخة فيتوجه تفريعًا على هذا المذهب أبحاث:
البحث الأول: اختلفوا في أنها بأي دليل صارت منسوخة؟ وذكروا وجوهًا أحدهما: أنها صارت منسوخة بإعطاء الله تعالى أهل المواريث كل ذي حق حقه فقط وهذا بعيد لأنه لا يمتنع مع قدر من الحق بالميراث وجوب قدر آخر بالوصية وأكثر ما يوجبه ذلك التخصيص لا النسخ بأن يقول قائل: إنه لا بد وأن تكون منسوخة فيمن لم يختلف إلا الوالدين من حيث يصير كل المال حقًا لهما بسبب الإرث فلا يبقى للوصية شيء إلا أن هذا تخصيص لا نسخ وثانيها: أنها صارت منسوخة بقوله عليه السلام: