{ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام } [ البقرة: 183 ] قيل فيما كتب عليكم من الصيام شهر رمضان أي صيامه الرابع: قال بعضهم: يجوز أن يكون بمبتدأ وخبره { الذى } مع صلته كقوله زيد الذي في الدار ، قال أبو علي: والأشبه أن يكون { الذى } وصفًا ليكون لفظ القرآن نصًا في الأمر بصوم الشهر ، لأنك إن جعلته خبرًا لم يكن شهر رمضان منصوصًا على صومه بهذا اللفظ ، إنما يكون مخبرًا عنه بإنزال القرآن فيه ، وإيضًا إذا جعلت { الذى } وصفًا كان حق النظم أن يكنى عن الشهر لا أن يظهر كقولك . شهر رمضان المبارك من شهده فليصمه وأما قراءة النصب ففيها وجوه أحدها: التقدير: صوموا شهر رمضان وثانيها: على الإبدال من أيام معدودات وثالثها: أنه مفعول { وَأَن تَصُومُواْ } وهذا الوجه ذكره صاحب «الكشاف» واعترض عليه بأن قيل: فعلى هذا التقدير يصير النظم: وأن تصوموا رمضان الذي أنزل فيه القرأن خير لكم ، وهذا يقتضي وقوع الفصل بين المبتدأ والخبر بهذا الكلام الكثير وهو غير جائز لأن المبتدأ والخبر جاريان مجرى الشيء الواحد وإيقاع الفصل بين الشيء وبين نفسه غير جائز .
أما قوله: { أُنزِلَ فِيهِ القرآن } اعلم أنه تعالى لما خص هذا الشهر بهذه العبادة بين العلة لهذا التخصيص ، وذلك هو أن الله سبحانه خصه بأعظم آيات الربوبية ، وهو أنه أنزل فيه القرآن ، فلا يبعد أيضًا تخصيصه بنوع عظيم من آيات العبودية وهو الصوم ، مما يحقق ذلك أن الأنوار الصمدية متجلية أبدًا يمتنع عليها الإخفاء والاحتجاب إلا أن العلائق البشرية مانعة من ظهورها في الأرواح البشرية والصوم أقوى الأسباب في إزالة العلائق البشرية ولذلك فإن أرباب المكاشفات لا سبيل لهم إلى التوصل إليها إلا بالصوم ، ولهذا قال E:"لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السموات"فثبت أن بين الصوم وبين نزول القرآن مناسبة عظيمة فلما كان هذا الشهر مختصًا بنزول القرآن ، وجب أن يكون مختصًا بالصوم ، وفي هذا الموضع أسرار كثيرة والقدر الذي أشرنا إليه كاف ههنا ، ثم ههنا مسائل:
المسألة الأولى: قوله تعالى: { أُنْزَّلَ فِيهِ القرآن } في تفسيره قولان الأول: وهو اختيار الجمهور: أن الله تعالى أنزل القرآن في رمضان عن النبي A:"نزل صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لست مضين والإنجيل لثلاث عشر والقرآن لأربع وعشرين"وههنا سؤلات:
السؤال الأول: أن القرآن ما نزل على محمد E دفعة ، وإنما نزل عليه في مدة ثلاث وعشرين سنة منجما مبعضا ، وكما نزل بعضه في رمضان نزل بعضه في سائر الشهور ، فما معنى تخصيص إنزاله برمضان .