فهرس الكتاب

الصفحة 1112 من 8321

« قدر الله المقادير قبل أن يخلق الخلق بكذا وكذا عامًا » وروي عنه E أنه قال: « جف القلم بما هو كائن » وعنه E أنه قال: « أربع قد فرغ منها: العمر والرزق والخلق والخلق » وثالثها: أنه سبحانه علام الغيوب: { يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعين وَمَا تُخْفِى الصدور } [ غافر: 19 ] فأي حاجة بالداعي إلى الدعاء؟ ولهذا السبب قالوا إن جبريل عليه السلام بلغ بسبب هذا الكلام إلى أعلى درجات الإخلاص والعبودية ولولا أن ترك الدعاء أفضل لما كان كذلك ورابعها: أن المطلوب بالدعاء إن كان من مصالح العبد فالجواد المطلق لا يهمله وإن لم يكن من مصالحه لم يجز طلبه وخامسها: ثبت بشواهد العقل والأحاديث الصحيحة أن أجل مقامات الصديقين وأعلاها الرضا بقضاء الله تعالى والدعاء ينافي ذلك لأنه اشتغال بالإلتماس وترجيح لمراد النفس على مراد الله تعالى وطلبه لحصة البشر وسادسها: أن الدعاء يشبه الأمر والنهي وذلك من العبد في حق المولى الكريم الرحيم سوء أدب وسابعها: روي أنه E قال رواية عن الله سبحانه وتعالى: « من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين » قالوا فثبت بهذه الوجوه أن الأولى ترك الدعاء .

وقال الجمهور الأعظم من العقلاء: إن الدعاء أهم مقامات العبودية ، ويدل عليه وجوه من النقل والعقل ، أما الدلائل النقلية فكثيرة الأول: أن الله تعالى ذكر السؤال والجواب في كتابه في عدة مواضع منها أصولية ومنها فروعية ، أما الأصولية فقوله: { وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الروح } [ الإسراء: 85 ] { وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الجبال } [ طه: 105 ] { وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الساعة } [ النازعات: 42 ] وأما الفروعية فمنها في البقرة على التوالي { يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ } [ البقرة: 219 ] { يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام } [ البقرة: 217 ] { يَسْئَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر } [ البقرة: 219 ] { يَسْأَلُونَكَ عَنِ اليتامى } [ البقرة: 220 ] { وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ المحيض } [ البقرة: 222 ] وقال أيضًا: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال } [ الأنفال: 1 ] { وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِى القرنين } [ الكهف: 83 ] { وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ } [ يونس: 53 ] { يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِى الكلالة } [ النساء: 176 ] .

إذا عرفت هذا: فنقول هذه الأسئلة جاءت أجوبتها على ثلاثة أنواع فالأغلب فيها أنه تعالى لما حكى السؤال قال لمحمد: قل وفي صورة واحدة جاء الجواب بقوله: فقل مع فاء التعقيب ، والسبب فيه أن قوله تعالى: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الجبال } سؤال عن قدمها وحدوثها وهذه مسألة أصولية فلا جرم قال الله تعالى: { فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبّى نَسْفًا } [ طه: 105 ] كأنه قال يا محمد أجب عن هذا السؤال في الحال ولا تؤخر الجواب فإن الشك فيه كفر ثم تقدير الجواب أن النسف ممكن في كل جزء من أجزاء الجبل فيكون ممكنًا في الكل وجواز عدمه يدل على امتناع قدمه ، أما سائر المسائل فهي فروعية فلا جرم لم يذكر فيها فاء التعقيب ، أما الصورة الثالثة وهي في هذه الآية قال: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ } ولم يقل فقل إني قريب فتدل على تعظيم حال الدعاء من وجوه الأول: كأنه سبحانه وتعالى يقول عبدي أنت إنما تحتاج إلى الواسطة في غير وقت الدعاء أما في مقام الدعاء فلا واسطة بيني وبينك الثاني: أن قوله: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي } يدل على أن العبد له وقوله: { فَإِنّي قَرِيبٌ } يدل على أن الرب للعبد وثالثها: لم يقل: فالعبد مني قريب ، بل قال: أنا منه قريب ، وفيه سر نفيس فإن العبد ممكن الوجود فهو من حيث هو هو في مركز العدم وحضيض الفناء ، فلا يمكنه القرب من الرب أما الحق سبحانه فهو القادر من أن يقرب بفضله وبرحمته من العبد ، والقرب من الحق إلى العبد لا من العبد إلا الحق فلهذا قال: { فَإِنّي قَرِيبٌ } والرابع: أن الداعي ما دام يبقى خاطره مشغولًا بغير الله فإنه لا يكون داعيًا له فإذا فني عن الكل صار مستغرقًا في معرفة الأحد الحق ، فامتنع من أن يبقى في هذا المقام ملاحظًا لحقه وطالبًا لنصيبه ، فلما ارتفعت الوسائط بالكلية ، فلا جرم حصل القرب فإنه ما دام يبقى العبد ملتفتًا إلى غرض نفسه لم يكن قريبًا من الله تعالى ، لأن ذلك الغرض يحجبه عن الله ، فثبت أن الدعاء يفيد القرب من الله ، فكان الدعاء أفضل العبادات .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت