{ أن طَهّرَا بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ والعاكفين } [ البقرة: 125 ] وقال تعالى: { وَلاَ تباشروهن وَأَنتُمْ عاكفون فِي المساجد } .
المسألة الثانية: لو لمس الرجل المرأة بغير شهوة جاز ، لأن عائشة Bها كانت ترجل رأس رسول الله A وهو معتكف ، أما إذا لمسها بشهوة ، أو قبلها ، أو باشرها فيما دون الفرج ، فهو حرام على المعتكف ، وهل يبطل بها اعتكافه؟ للشافعي C فيه قولان: الأصح أنه يبطل ، وقال أبو حنيفة ، لا يفسد الإعتكاف إذا لم ينزل ، احتج من قال بالإفساد أن الأصل في لفظ المباشرة ملاقاة البشرتين ، فقوله: { وَلاَ تباشروهن } منع من هذه الحقيقة ، فيدخل فيه الجماع وسائر هذه الأمور ، لأن مسمى المباشرة حاصل في كلها .
فإن قيل: لم حملتم المباشرة في الآية المتقدمة على الجماع؟
قلنا: لأن ما قبل الآية يدل على أنه هو الجماع ، وهو قوله: { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث } وسبب نزول تلك الآية يدل على أنه هو الجماع ، ثم لما أذن في الجماع كان ذلك إذنًا فيما دون الجماع بطريق الأولى ، أما ههنا فلم يوجد شيء من هذه القرائن ، فوجب إبقاء لفظ المباشرة على موضعه الأصلي وحجة من قال: إنها لا تبطل الإعتكاف ، أجمعنا على أن هذه المباشرة لا تفسد الصوم والحج ، فوجب أن لا تفسد الإعتكاف لأن الاعتكاف ليس أعلى درجة منهما والجواب: أن النص مقدم على القياس .
المسألة الثالثة: اتفقوا على أن شرط الإعتكاف ليس الجلوس في المسجد وذلك لأن المسجد مميز عن سائر البقاع من حيث إنه بني لإقامة الطاعات فيه ، ثم اختلفوا فيه فنقل عن علي Bه أنه لا يجوز إلا في المسجد الحرام والحجة فيه قوله تعالى: { أَن طَهّرَا بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ والعاكفين } [ البقرة: 125 ] فعين ذلك البيت لجميع العاكفين ، ولو جاز الإعتكاف في غيره لما صح ذلك العموم وقال عطاء: لا يجوز إلا في المسجد الحرام ومسجد المدينة ، لما روى عبد الله بن الزبير أن النبي A قال: « صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي » وقال حذيفة: يجوز في هذين المسجدين وفي مسجد بيت المقدس لقوله E: « لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ، والمسجد الأقصى ، ومسجدي هذا » وقال الزهري: لا يصح إلا في الجامع وقال أبو حنيفة: لا يصح إلا في مسجد له إمام راتب ومؤذن راتب ، وقال الشافعي Bه: يجوز في جميع المساجد ، إلا أن المسجد الجامع أفضل حتى لا يحتاج إلى الخروج لصلاة الجمعة ، واحتج الشافعي Bه بهذه الآية لأن قوله: { وَلاَ تباشروهن وَأَنتُمْ عاكفون فِي المساجد } عام يتناول كل المساجد .