[ الممتحنة: 10 ] .
المسألة الثالثة: اتفقوا على أن التجارة إذا أوقعت نقصانًا في الطاعة لم تكن مباحة ، أما إن لم توقع نقصانًا ألبتة فيها فهي من المباحات التي الأولى تركها ، لقوله تعالى: { وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين } [ البينه: 5 ] والإخلاص أن لا يكون له حامل على الفعل سوى كونه عبادة ، وقال عليه السلام حكاية عن الله تعالى: « أنا أغنى الأغنياء عن الشرك ، من عمل عملًا أشرك فيه غيري تركته وشركه » والحاصل أن الإذن في هذه التجارة جار مجرى الرخص .
قوله تعالى: { فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عرفات فاذكروا الله عِندَ المشعر الحرام } فيه مسائل:
المسألة الأولى: الإفاضة الإندفاع في السير بكثرة ، ومنه يقال: أفاض البعير بجرته ، إذا وقع بها فألقاها منبثة ، وكذلك أفاض الأقداح في الميسر ، معناه جمعها ثم ألقاها متفرقة ، وإفاضة الماء من هذا لأنه إذا صب تفرق والإفاضة في الحديث إنما هي الإندفاع فيه بإكثار وتصرف في وجوهه ، وعليه قوله تعالى: { إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ } [ يونس: 61 ] ومنه يقال للناس: فوض ، وأيضًا جمعهم فوضى ويقال: أفاضت العين دمعها فأصل هذه الكلمة الدفع للشيء حتى يتفرق . فقوله تعالى: { أَفَضْتُمْ } أي دفعتم بكثرة ، وأصله أفضتم أنفسكم ، فترك ذكر المفعول ، كما ترك في قولهم: دفعوا من موضع كذا وصبوا ، وفي حديث أبي بكر Bه: ونزل في وادي قيروان وهو يخدش بعيره بمحجنه .
المسألة الثانية: { عرفات } جمع عرفة ، سميت بها بقعة واحدة ، كقولهم: ثوب أخلاق ، وبرمة أعشار ، وأرض سباسب ، والتقدير: كأن كل قطعة من تلك الأرض عرفة فسمى مجموع تلك القطع بعرفات ، فإن قيل: هلا منعت من الصرف وفيها السببان: التعريف والتأنيث قلنا: هذه اللفظة في الأصل اسم لقطع كثيرة من الأرض كل واحدة منها مسماة بعرفة ، وعلى هذا التقدير لم يكن علمًا ثم جعلت علمًا لمجموع تلك القطع فتركوها بعد ذلك على أصلها في عدم الصرف .
المسألة الثالثة: اعلم أن اليوم الثامن من ذي الحجة يسمى بيوم التروية ، واليوم التاسع منه يسمى بيوم عرفة ، وذلك الموضع المخصوص سمي بعرفات ، وذكروا في تعليل هذه الأسماء وجوهًا أما يوم التروية ففيه قولان أحدهما: من روي يروي تروية ، إذا تفكر وأعمل فكره ورويته والثاني: من رواه من الماء يرويه إذا سقاه من عطش أما الأول: ففيه ثلاثة أقوال أحدها: أن آدم عليه السلام أمر ببناء البيت ، فلما بناه تفكر فقال: رب إن لكل عامل أجرًا فما أجري على هذا العمل؟ قال: إذا طفت به غفرت لك ذنوبك بأول شوط من طوافك ، قال: يا رب زدني قال: أغفر لأولادك إذا طافوا به ، قال: زدني قال: أغفر لكل من استغفر له الطائفون من موحدي أولادك ، قال: حسبي يا رب حسبي وثانيها: أن إبراهيم عليه السلام رأى في منامه ليلة التروية كأنه يذبح ابنه فأصبح مفكرًا هل هذا من الله تعالى أو من الشيطان؟ فلما رآه ليلة عرفة يؤمر به أصبح فقال: عرفت يا رب أنه من عندك وثالثها: أن أهل مكة يخرجون يوم التروية إلى منى فيروون في الأدعية التي يريدون أن يذكروها في غدهم بعرفات .