أما القول الثاني: وهو اشتقاقه من تروية الماء ، ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن أهل مكة كانوا يخفون الماء للحجيج الذين يقصدونهم من الآفاق ، وكان الحاج يستريحون في هذا اليوم من مشاق السفر ، ويتسعون في الماء ، ويروون بهائمهم بعد مقاساتهم قلة الماء في طريقهم والثاني: أنهم يتزودون الماء إلى عرفة والثالث: أن المذنبين كالعطاش الذي وردوا بحار رحمة الله فشربوا منها حتى رووا ، وأما فضل هذا اليوم فدل عليه قوله تعالى: { والشفع والوتر } [ الفجر: 3 ] عن ابن عباس بأن الشفع التروية وعرفة ، والوتر يوم النحر ، وعن عبادة أنه E قال: « صيام عشر الأضحى كل يوم منها كالشهر ، ولمن يصوم يوم التروية سنة ، ولمن يصوم يوم عرفة سنتان » وروى أنس أنه E قال: « من صام يوم التروية أعطاه الله مثل ثواب أيوب على بلائه ، ومن صام يوم عرفة أعطاه الله تعالى مثل ثواب عيسى بن مريم عليه السلام » .
وأما يوم عرفة فله عشرة أسماء ، خمسة منها مختصة به ، وخمسة مشتركة بينه وبين غيره ، أما الخمسة الأولى فأحدها: عرفة ، وفي اشتقاقه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه مشتق من المعرفة ، وفيه ثمانية أقوال الأول: قول ابن عباس: إن آدم وحواء التقيا بعرفة فعرف أحدهما صاحبه فسمى اليوم عرفة ، والموضع عرفات ، وذلك أنهما لما أهبطا من الجنة وقع آدم بسرنديب ، وحواء بجدة ، وإبليس بنيسان ، والحية بأصفهان ، فلما أمر الله تعالى آدم بالحج لقي حواء بعرفات فتعارفا وثانيها: أن آدم علمه جبريل مناسك الحج ، فلما وقف بعرفات قال له: أعرفت؟ قال نعم ، فسمى عرفات وثالثها: قول علي وابن عباس وعطاء والسدي: سمي الموضع عرفات لأن إبراهيم عليه السلام عرفها حين رآها بما تقدم من النعت والصفة ورابعها: أن جبريل كان علم إبراهيم عليه السلام المناسك ، وأوصله إلى عرفات ، وقال له: أعرفت كيف تطوف وفي أي موضع تقف؟ قال نعم وخامسها: أن إبراهيم عليه السلام وضع ابنه إسماعيل وأمه هاجر بمكة ورجع إلى الشام ولم يلتقيا سنين ، ثم التقيا يوم عرفة بعرفات وسادسها: ما ذكرناه من أمر منام إبراهيم عليه السلام وسابعها: أن الحاج يتعارفون فيه بعرفات إذا وقفوا وثامنها: أنه تعالى يتعرف فيه إلى الحاج بالمغفرة والرحمة .
القول الثاني: في اشتقاق عرفة أنه من الإعتراف لأن الحجاج إذا وقفوا في عرفة اعترفوا للحق بالربوبية والجلال والصمدية والإستغناء ولأنفسهم بالفقر والذلة والمسكنة والحاجة ويقال: إن آدم وحواء عليهما السلام لما وقفا بعرفات قالا: ربنا ظلمنا أنفسنا ، فقال الله سبحانه وتعالى الآن عرفتما أنفسكما .