المسألة الرابعة: لفظ الكلمة قد يستعمل في اللفظة الواحدة ويراد بها الكلام الكثير الذي قد ارتبط بعضه ببعض كتسميتهم القصيدة بأسرها «كلمة» ، ومنها يقال: «كلمة الشهادة» ، ويقال: «الكلمة الطيبة صدقة» ، ولما كان المجاز أولى من الاشتراك علمنا أن إطلاق لفظ الكلمة على المركب مجاز ، وذلك لوجهين ، الأول: أن المركب إنما يتركب من المفردات ، فإطلاق لفظ الكلمة على الكلام المركب يكون إطلاقًا لاسم الجزء على الكل ، والثاني: أن الكلام الكثير إذا ارتبط بعضه ببعض حصلت له وحدة فصار شبيهًا بالمفرد في تلك الوجوه ، والمشابهة سبب من أسباب حسن المجاز ، فأطلق لفظ الكلمة على الكلام الطويل لهذا السبب .
المسألة الخامسة: لفظ الكلمة جاء في القرآن لمفهومين آخرين: أحدهما: يقال لعيسى كلمة الله ، إما لأنه حدث بقوله: «كن» أو لأنه حدث في زمان قليل كما تحدث الكلمة كذلك ، والثاني: أنه تعالى سمى أفعاله كلمات ، كما قال تعالى في الآية الكريمة: { قُل لَّوْ كَانَ البحر مِدَادًا لكلمات رَبّى لَنَفِدَ البحر قَبْلَ أَن تَنفَدَ كلمات رَبّى } [ الكهف: 109 ] والسبب فيه الوجهان المذكوران فيما تقدم والله أعلم .
المسألة السادسة في القول: هذا التركيب بحسب تقاليبه الستة يدل على الحركة والخفة ، فالأول: «ق و ل» فمنه القول؛ لأن ذلك أمر سهل على اللسان ، الثاني: «ق ل و» ومنه القلو وهو حمار الوحش ، وذلك لخفته في الحركة ومنه «قلوت البر والسويق» فهما مقلوان ، لأن الشيء إذا قلي جف وخف فكان أسرع إلى الحركة ، ومنه القلولي ، وهو الخفيف الطائش ، والثالث: «و ق ل» الوقل الوعل ، وذلك لحركته ، ويقال «توقل في الجبل» إذا صعد فيه ، والرابع: «و ل ق» يقال: ولق يلق إذا أسرع ، وقرىء { إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ } [ النور: 15 ] أي: تخفون وتسرعون ، والخامس: «ل و ق» كما جاء في الحديث"لا آكل الطعام إلا ما لوق لي"أي: أعملت اليد في تحريكه وتليينه حتى يصلح ، ومنه اللوقة وهي الزبدة قيل لها ذلك لخفتها وإسراع حركتها لأنه ليس بها مسكة الجبن والمصل ، والسادس: «ل ق و» ومنه اللقوة وهي العقاب ، قيل لها ذلك لخفتها وسرعة طيرانها ، ومنه اللقوة في الوجه لأن الوجه اضطرب شكله فكأنه خفة فيه وطيش ، واللقوة الناقة السريعة اللقاح .