سادسها: أن فرعون لعنة الله تعالى عليه لما سأل موسى عليه السلام فقال: { وَمَا رَبُّ العالمين } [ الشعراء: 23 ] وطلب منه الماهية والجنس والجوهر ، فلو كان تعالى جسمًا موصوفًا بالأشكال والمقادير لكان الجواب عن هذا السؤال ليس إلا بذكر الصورة والشكل والقدر: فكان جواب موسى عليه السلام بقوله: { رَبّ السموات والأرض } [ مريم: 65 ] { رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءابَائِكُمُ الأولين } [ الدخان: 8 ] { رَّبُّ المشرق والمغرب } [ المزمل: 9 ، الشعراء: 28 ] خطأ وباطلًا ، وهذا يقتضي بخطئة موسى عليه السلام فيما ذكر من الجواب ، وتصويب فرعون في قوله: { إِنَّ رَسُولَكُمُ الذى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ } [ الشعراء: 27 ] ولما كان كل ذلك باطلًا ، علمنا أنه تعالى منزه عن أن يكون جسمًا ، وأن يكون في مكان ، ومنزه عن أن يصح عليه المجيء والذهاب وسابعها: أنه تعالى قال: { قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ } [ الإخلاص: 1 ] والأحد هو الكامل في الوحدانية وكل جسم فهو منقسم بحسب الغرض والإشارة إلى جزأين ، فلما كان تعالى أحدًا امتنع أن يكون جسمًا أو متحيزًا ، فلما لم يكن جسمًا ولا متحيزًا امتنع عليه المجيء والذهاب ، وأيضًا قال تعالى: { هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا } [ مريم: 65 ] أي شبيهًا ولو كان جسمًا متحيزًا لكان مشابهًا للأجسام في الجسمية ، إنما الاختلاف يحصل فيما وراء الجسمية ، وذلك إما بالعظم أو بالصفات والكيفيات ، وذلك لا يقدح في حصول المشابهة في الذات ، وأيضًا قال تعالى { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء } [ الشورى: 11 ] ولو كان جسمًا لكان مثلًا للأجسام وثامنها: لو كان جسمًا متحيزًا لكان مشاركًا لسائر الأجسام في عموم الجسمية ، فعند ذلك لا يخلو إما أن يكون مخالفًا في خصوص ذاته المخصوصة ، وإما أن لا يكون فإن كان الأول فما به المشاركة غير ما به الممايزة ، فعموم كونه جسمًا مغاير لخصوص ذاته المخصوصة ، وهذا محال لأنا إذا وصفنا تلك الذات المخصوصة بالمفهوم من كونه جسمًا كنا قد جعلنا الجسم صفة وهذا محال لأن الجسم ذات الصفة ، وإن قلنا بأن تلك الذات المخصوصة التي هي مغايرة للمفهوم من كونه جسمًا وغير موصوف بكونه جسمًا ، فحينئذ تكون ذات الله تعالى شيئًا مغايرًا للمفهوم من الجسم ، وغير موصوف به وذلك ينفي كونه تعالى جسمًا ، وإما إن قيل: إن ذاته تعالى بعد أن كانت جسمًا لا يخالف سائر الأجسام في خصوصية ، فحينئذ يكون مثلًا لها مطلقًا ، وكل ما صح عليها فقد صح عليه ، فإذا كانت هذه الأجسام محدثة وجب في ذاته أن تكون كذلك ، وكل ذلك محال ، فثبت أنه تعالى ليس بجسم ، ولا بمتحيز ، وأنه لا يصح المجيء والذهاب عليه .
إذا عرفت هذا فنقول: اختلف أهل الكلام في قوله: { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله } وذكروا فيه وجوهًا .
الوجه الأول: وهو مذهب السلف الصالح أنه لما ثبت بالدلائل القاطعة أن المجيء والذهاب على الله تعالى محال ، علمنا قطعًا أنه ليس مراد الله تعالى من هذه الآية هو المجيء والذهاب ، وأن مراده بعد ذلك شيء آخر فإن عينا ذلك المراد لم نأمن الخطأ ، فالأولى السكوت عن التأويل ، وتفويض معنى الآية على سبيل التفصيل إلى الله تعالى ، وهذا هو المراد بما روي عن ابن عباس أنه قال: نزل القرآن على أربعة أوجه: وجه لا يعرفه أحد لجهالته ، ووجه يعرفه العلماء ويفسرونه ووجه نعرفه من قبل العربية فقط ، ووجه لا يعلمه إلا الله وهذا القول قد استقصينا القول فيه في تفسير قوله تعالى: { الم } .