فهرس الكتاب

الصفحة 1232 من 8321

الوجه الثالث: وهو قول جمهور المتكلمين: أنه لا بد من التأويل على سبيل الفصيل ثم ذكروا فيه وجوهًا الأول: المراد { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله } أي آيات الله فجعل مجيء الآيات مجيئًا له على التفخيم لشأن الآيات ، كما يقال: جاء الملك إذا جاء جيش عظيم من جهته ، والذي يدل على صحة هذا التأويل أنه تعالى قال في الآية المتقدمة { فَإِن زَلَلْتُمْ مّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ البينات فاعلموا أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [ البقرة: 209 ] فذكر ذلك في معرض الزجر والتهديد ، ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله: { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله } ومعلوم أن التقدير أن يصح المجيء على الله لم يكن مجرد حضوره سببًا للتهديد والزجر ، لأنه عند الحضور كما يزجر الكفار ويعاقبهم ، فهو يثيب المؤمنين ويخصهم بالتقريب ، فثبت أن مجرد الحضور لا يكون سببًا للتهديد والوعيد ، فلما كان المقصود من الآية إنما هو الوعيد والتهديد ، وجب أن يضمر في الآية مجيء الهيبة والقهر والتهديد ، ومتى أضمرنا ذلك زالت الشبهة بالكلية ، وهذا تأويل حسن موافق لنظم الآية .

والوجه الثاني: في التأويل أن يكون المراد { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله } أي أمر الله ، ومدار الكلام في هذا الباب أنه تعالى إذا ذكر فعلًا وأضافه إلى شيء ، فإن كان ذلك محالًا فالواجب صرفه إلى التأويل ، كما قاله العلماء في قوله: { الذين يحاربون الله } والمراد يحاربون أولياءه ، وقال: { واسئل القرية } [ يوسف: 82 ] والمراد: واسأل أهل القرية ، فكذا قوله: { يَأْتِيَهُمُ الله } المراد به يأتيهم أمر الله ، وقوله: { وَجَاء رَبُّكَ } [ الفجر: 22 ] المراد: جاء أمر ربك ، وليس فيه إلا حذف المضاف ، وإقامة المضاف إليه مقامه ، وهو مجاز مشهور ، يقال: ضرب الأمير فلانًا ، وصلبه ، وأعطاه ، والمراد أنه أمر بذلك ، لا أنه تولى ذلك العمل بنفسه ، ثم الذي يؤكد القول بصحة هذا التأويل وجهان الأول: أن قوله ههنا: { يَأْتِيَهُمُ الله } وقوله: { وَجَاء رَبُّكَ } إخبار عن حال القيامة ، ثم ذكر هذه الواقعة بعينها في سورة النحل فقال: { هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ الملائكة أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبّكَ } [ النحل: 33 ] فصار هذا الحكم مفسرًا لذلك المتشابه ، لأن كل هذه الآيات لما وردت في واقعة واحدة لم يبعد حمل بعضها على البعض والثاني: أنه تعالى قال بعده:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت