فهرس الكتاب

الصفحة 1235 من 8321

أما قوله: { فِي ظُلَلٍ مّنَ الغمام } فاعلم أن { الظلل } جمع ظلة ، وهي ما أظلك الله به ، { والغمام } لا يكون كذلك إلا إذا كان مجتمعًا متراكمًا ، فالظلل من الغمام عبارة عن قطع متفرقة كل قطعة منها تكون في غاية الكثافة والعظم ، فكل قطعة ظلة ، والجمع ظلل ، قال تعالى: { وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كالظلل } [ لقمان: 32 ] وقرأ بعضهم: { إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله فِي ظلال مّنَ الغمام } فيحتمل أن يكون الظلال جمع ظلة ، كقلال وقلة ، وأن يكون جمع ظل .

إذا عرفت هذا فنقول: المعنى ما ينظرون إلا أن يأتيهم قهر الله وعذابه في ظلل من الغمام .

فإن قيل: ولم يأتيهم العذاب في الغمام؟ .

قلنا: لوجوه أحدها: أن الغمام مظنة الرحمة ، فإذا نزل منه العذاب كان الأمر أفظع ، لأن السر إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أهول وأفظع ، كما أن الخير إذا جاء منحيث لا يحتسب كان أكثر تأثيرًا في السرور ، فكيف إذاجاء الشر من حيث يحتسب الخير ، ومن هذا اشتد على المتفكرين في كتاب الله تعالى قوله: { وَبَدَا لَهُمْ مّنَ الله مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ } [ الزمر: 47 ] وثانيها: أن نزول الغمام علامة لظهور ما يكون أشد الأهوال في القيامة قال تعالى: { وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السماء بالغمام وَنُزّلَ الملائكة تَنزِيلًا * الملك يَوْمَئِذٍ الحق للرحمن وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الكافرين عَسِيرًا } [ الفرقان: 25 26 ] وثالثها: أن الغمام تنزل عنه قطرات كثيرة غير محصورة ولا محدودة ، فكذا هذا الغمام ينزل عنه قطرات العذاب نزولًا غير محصور .

أما قوله تعالى: { والملئكة } فهو عطف على ما سبق ، والتقدير: وتأتيهم الملائكة وإتيان الملائكة يمكن أن يحمل على الحقيقة فوجب حمله عليها فصار المعنى أن يأتي أمر الله وآياته والملائكة مع ذلك يأتون ليقوموا بما أمروا به من إهانة أو تعذيب أو غيرهما من أحكام يوم القيامة .

أما قوله تعالى: { وَقُضِىَ الأمر } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: المعنى أنه فرغ ما كانوا يوعدون به فعند ذلك لا تقال لهم عثرة لهم ولا تصرف عنهم عقوبة ولا ينفع في دفع ما نزل بهم حيلة .

المسألة الثانية: قوله: { وَقُضِىَ الأمر } معناه: ويقضي الأمر والتقدير: إلا أن يأتيهم الله ويقضي الأمر فوضع الماضي موضع المستقبل وهذا كثير في القرآن ، وخصوصًا في أمور الآخرة فإن الإخبار عنها يقع كثيرًا بالماضي ، قال الله سبحانه وتعالى: { إِذْ قَالَ الله ياعيسى ابن مَرْيَمَ أأنت قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذونى } [ المائدة: 116 ] والسبب في اختيار هذا المجاز أمران أحدهما: التنبيه على قرب أمر الآخرة فكأن الساعة قد أتت ووقع ما يريد الله إيقاعه والثاني: المبالغة في تأكيد أنه لا بد من وقوعه لتجزى كل نفس بما تسعى ، فصار بحصول القطع والجزم بوقوعه كأنه قد وقع وحصل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت